فهرس الكتاب

الصفحة 2676 من 4314

و في الآية تذكير آخر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقصة إبليس وما جرى بينه وبين الله سبحانه من المحاورة عند ما عصى أمر السجدة ليتثبت فيما أخبره الله من حال الناس أنهم لم يزالوا على الاستهانة بأمر الله والاستكبار عن الحق وعدم الاعتناء بآيات الله ولن يزالوا على ذلك فليذكر قصة إبليس وما عقد عليه أن يحتنك ذرية آدم وسلطه الله يومئذ على من أطاعه من بني آدم واتبع دعوته ودعوة خيله ورجله ولم يستثن في عقده إلا عباده المخلصين.

فالمعنى: واذكر إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس - فكأنه قيل: فما ذا صنع؟ أو فما ذا قال؟ إذ لم يسجد؟ فقيل: إنه أنكر الأمر بالسجدة وقال أ أسجد - والاستفهام للإنكار - لمن خلقته من طين وقد خلقتني من نار وهي أشرف من الطين.

وفي القصة اختصار بحذف بعض فقراتها ، والوجه فيه أن السياق اقتضى ذلك فإن الغرض بيان العلل والعوامل المقتضية لاستمرار بني آدم على الظلم والفسوق فقد ذكر أولا أن الأولين منهم لم يؤمنوا بالآيات المقترحة والآخرون بانون على الاقتداء بهم ثم ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن هناك من الفتن ما سيفتنون به ثم ذكره بما قصه عليه من قصة آدم وإبليس وفيها عقد إبليس أن يغوي ذرية آدم وسؤاله أن يسلطه الله عليهم وإجابته تعالى إياه على ذلك في الغاوين فليس بمستبعد أن يميل أكثر الناس إلى سبيل الضلال وينكبوا على الظلم والطغيان والإعراض عن آيات الله وقد أحاطت بهم الفتنة الإلهية من جانب والشيطان بخيله ورجله من جانب.

قوله تعالى:"قال أ رأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا"الكاف في"أ رأيتك"زائدة لا محل لها من الإعراب وإنما تفيد معنى الخطاب كما في أسماء الإشارة ، والمراد بقوله:"هذا الذي كرمت علي"آدم (عليه السلام) وتكريمه على إبليس تفضيله عليه بأمره بالسجدة ورجمه حيث أبى.

ومن هنا يظهر أنه فهم التفضيل من أمر السجدة كما أنه اجترى على إرادة إغواء ذريته مما جرى في محاورته تعالى الملائكة من قولهم:"أ تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء": البقرة: 30 ، وقد تقدم في تفسير الآية ما ينفع هاهنا.

والاحتناك على ما في المجمع ، - الاقتطاع من الأصل ، يقال: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم إذا استقصاه فأخذه كله ، واحتنك الجراد المزرع إذا أكله كله وقيل: إنه من قولهم: حنك الدابة بحبلها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، والظاهر أن المعنى الأخير هو الأصل في الباب ، والاحتناك الإلجام.

والمعنى: قال إبليس بعد ما عصى وأخذه الغضب الإلهي رب أ رأيت هذا الذي فضلته بأمري بسجدته ورجمي بمعصيته أقسم لئن أخرتني إلى يوم القيامة وهو مدة مكث بني آدم في الأرض لألجمن ذريته إلا قليلا منهم وهم المخلصون.

قوله تعالى:"قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا"قيل: الأمر بالذهاب ليس على حقيقته وإنما هو كناية عن تخليته ونفسه كما تقول لمن يخالفك: افعل ما تريد ، وقيل: الأمر على حقيقته وهو تعبير آخر لقوله في موضع آخر:"اخرج منها فإنك رجيم"والموفور المكمل فالجزاء الموفور الجزاء الذي يوفى كله ولا يدخر منه شيء ، ومعنى الآية واضح.

قوله تعالى:"و استفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك"إلى آخر الآية الاستفزاز الإزعاج والاستنهاض بخفة وإسراع ، والإجلاب كما في المجمع ، السوق بجلبة من السائق والجلبة شدة الصوت ، وفي المفردات ،: أصل الجلب سوق الشيء يقال: جلبت جلبا قال الشاعر:"و قد يجلب الشيء البعيد الجواب"وأجلبت عليه صحت عليه بقهر ، قال الله عز وجل:"و أجلب عليهم بخيلك ورجلك"انتهى.

والخيل - على ما قيل - الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ويطلق على الفرسان مجازا ، والرجل بالفتح فالكسر هو الراجل كحذر وحاذر وكمل وكامل وهو خلاف الراكب ، وظاهر مقابلته بالخيل أن يكون المراد به الرجالة وهم غير الفرسان من الجيش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت