فهرس الكتاب

الصفحة 2703 من 4314

و قد بين ذلك صدر المتألهين بوجه أدق وألطف وهو أن المعلول مفتقر في وجوده إلى العلة الفاعلة متعلق الذات بها ، وليس من الجائز أن يتأخر هذا الفقر والتعلق عن مرتبة ذاته ويكون هناك ذات ثم فقر وتعلق وإلا استغنى بحسب ذاته عن العلة واستقل بنفسه عنها فلم يكن معلولا هف فذاته عين الفقر والتعلق فليس له من الوجود إلا الرابط غير المستقل وما يتراءى فيه من استقلال الوجود المفروض معه أولا إنما هو استقلال علته فوجود المعلول يحاكي وجود علته ويمثله في مرتبته التي له من الوجود.

تعقيب البحث السابق من جهة القرآن

التدبر في الآيات القرآنية لا يدع ريبا في أن القرآن الكريم يعد الأشياء على اختلاف وجوهها وتشتت أنواعها آيات له تعالى دالة على أسمائه وصفاته فما من شيء إلا وهو آية في وجوده وفي أي جهة مفروضة في وجوده له تعالى مشيرة إلى ساحة عظمته وكبريائه ، والآية وهي العلامة الدالة من حيث إنها آية وجودها مرآتي فإن في ذي الآية الذي هو مدلولها غير مستقلة دونه إذ لو استقلت في وجوده أو في جهة من جهات وجوده لم تكن من تلك الجهة مشيرة إليه دالة عليه آية له هف.

فالأشياء بما هي مخلوقة له تعالى أفعاله ، وهي تحاكي بوجودها وصفات وجودها وجوده سبحانه وكرائم صفاته وهو المراد بمسانخة الفعل لفاعله لا أن الفعل واجد لهوية الفاعل مماثل لحقيقة ذاته فإن الضرورة تدفعه.

قوله تعالى:"و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"الروح على ما يعرف في اللغة هو مبدأ الحياة الذي به يقوى الحيوان على الإحساس والحركة الإرادية ولفظه يذكر ويؤنث ، وربما يتجوز فيطلق على الأمور التي يظهر بها آثار حسنة مطلوبة كما يعد العلم حياة للنفوس قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه": الأنعام: 122 أي بالهداية إلى الإيمان وعلى هذا المعنى حمل جماعة مثل قوله:"ينزل الملائكة بالروح من أمره": النحل: 2 أي بالوحي وقوله:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 أي القرآن الذي هو وحي فذكروا أنه تعالى سمى الوحي أو القرآن روحا لأن به حياة النفوس الميتة كما أن الروح المعروف به حياة الأجساد الميتة.

وكيف كان فقد تكرر في كلامه تعالى ذكر الروح في آيات كثيرة مكية ومدنية ، ولم يرد في جميعها المعنى الذي نجده في الحيوان وهو مبدأ الحياة الذي يتفرع عليه الإحساس والحركة الإرادية كما في قوله:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا": النبأ: 38 ، وقوله:"تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر": القدر: 4 ولا ريب أن المراد به في الآية غير الروح الحيواني وغير الملائكة وقد تقدم الحديث عن علي (عليه السلام) أنه احتج بقوله تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده": النحل: 2 على أن الروح غير الملائكة ، وقد وصفه تارة بالقدس وتارة بالأمانة كما سيأتي لطهارته عن الخيانة وسائر القذارات المعنوية والعيوب والعاهات التي لا تخلو عنها الأرواح الإنسية.

وهو وإن كان غير الملائكة غير أنه يصاحبهم في الوحي والتبليغ كما يظهر من قوله:"ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده"الآية فقد قال تعالى:"من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله": البقرة: 97 فنسب تنزيل القرآن على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جبريل ثم قال:"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين": الشعراء: 195 وقال:"قل نزله روح القدس من ربك": النحل: 102 فوضع الروح وهو غير الملائكة بوجه مكان جبريل وهو من الملائكة فجبريل ينزل بالروح والروح يحمل هذا القرآن المقرو المتلو.

وبذلك تنحل العقدة في قوله تعالى:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 ويظهر أن المراد من وحي الروح في الآية هو إنزال روح القدس إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنزاله إليه هو الوحي القرآن إليه لكونه يحمله على ما تبين فلا موجب لما ذكره بعضهم على ما نقلناه آنفا أن المراد بالروح في الآية هو القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت