و أما نسبة الوحي وهو الكلام الخفي إلى الروح بهذا المعنى وهو من الموجودات العينية والأعيان الخارجية فلا ضير فيه فإن هذه الموجودات الطاهرة كما أنها موجودات مقدسة من خلقه تعالى كذلك هي كلمات منه تعالى كما قال في عيسى بن مريم (عليهما السلام) :"و كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء: 171 فعد الروح كلمة دالة على المراد فمن الجائز أن يعد الروح وحيا كما عد كلمة وإنما سماه كلمة منه لأنه إنما كان عن كلمة الإيجاد من غير أن يتوسط فيه السبب العادي في كينونة الناس بدليل قوله:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59 وقد زاد سبحانه في إيضاح حقيقة الروح حيث قال:"قل الروح من أمر ربي"وظاهر"من"أنها لتبيين الجنس كما في نظائرها من الآيات"يلقي الروح من أمره": المؤمن: 15"ينزل الملائكة بالروح من أمره""أوحينا إليك روحا من أمرنا""تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"فالروح من سنخ الأمر.
ثم عرف أمره في قوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 84 فبين أولا أن أمره هو قوله للشيء:"كن"وهو كلمة الإيجاد التي هي الإيجاد والإيجاد هو وجود الشيء لكن لا من كل جهة بل من جهة استناده إليه تعالى وقيامه به فقوله فعله.
ومن الدليل على أن وجود الأشياء قول له تعالى من جهة نسبته إليه مع إلغاء الأسباب الوجودية الأخر قوله تعالى:"و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر: 50 حيث شبه أمره بعد عده واحدة بلمح بالبصر وهذا النوع من التشبيه لنفي التدريج وبه يعلم أن في الأشياء المكونة تدريجا الحاصلة بتوسط الأسباب الكونية المنطبقة على الزمان والمكان جهة معراة عن التدريج خارجة عن حيطة الزمان والمكان هي من تلك الجهة أمره وقوله وكلمته ، وأما الجهة التي هي بها تدريجية مرتبطة بالأسباب الكونية منطبقة على الزمان والمكان فهي بها من الخلق قال تعالى:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54 فالأمر هو وجود الشيء من جهة استناده إليه تعالى وحده والخلق هو ذلك من جهة استناده إليه مع توسط الأسباب الكونية فيه.
ويستفاد ذلك أيضا من قوله:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون"الآية حيث ذكر أولا خلق آدم وذكر تعلقه بالتراب وهو من الأسباب ثم ذكر وجوده ولم يعلقه بشيء إلا بقوله:"كن"فافهم ذلك ونظيره قوله:"ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة إلى أن قال ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14 فعد إيجاده المنسوب إلى نفسه من غير تخلل الأسباب الكونية إنشاء خلق آخر.
فظهر بذلك كله أن الأمر هو كلمة الإيجاد السماوية وفعله تعالى المختص به الذي لا تتوسط فيه الأسباب ، ولا يتقدر بزمان أو مكان وغير ذلك.
ثم بين ثانيا أن أمره في كل شيء هو ملكوت ذلك الشيء - والملكوت أبلغ من الملك - فلكل شيء ملكوت كما أن له أمرا قال تعالى:"أ ولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض": الأعراف: 185 وقال:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض": الأنعام: 75 وقال:"تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"الآية: القدر: 4.
فقد بان بما مر أن الأمر هو كلمة الإيجاد وهو فعله تعالى الخاص به الذي لا يتوسط فيه الأسباب الكونية بتأثيراتها التدريجية وهو الوجود الأرفع من نشأة المادة وظرف الزمان ، وأن الروح بحسب وجوده من سنخ الأمر من الملكوت.
وقد وصف تعالى أمر الروح في كلامه وصفا مختلفا فأفرده بالذكر في مثل قوله:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا": النبأ: 38 ، وقوله:"تعرج الملائكة والروح إليه"الآية: المعارج: 4.
ويظهر من كلامه أن منه ما هو مع الملائكة كقوله في الآيات المنقولة آنفا:"من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك""نزل به الروح الأمين على قلبك"قل نزله روح القدس"وقوله:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا": مريم: 17."
ومنه ما هو منفوخ في الإنسان عامة قال تعالى:"ثم سواه ونفخ فيه من روحه": الم السجدة: 9 وقال:"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي": الحجر: 29 ص: 72.