فهرس الكتاب

الصفحة 2718 من 4314

قوله تعالى:"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى"لفظة أو للتسوية والإباحة فالمراد بقوله"الله"و"الرحمن"الاسمان الدالان على المسمى دون المسمى ، والمعنى ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن فالدعاء دعاؤه.

وقوله:"أيا ما تدعوا"شرط و"ما"صلة للتأكيد نظير قوله:"فبما رحمة من الله": آل عمران: 159.

وقوله:"عما قليل ليصبحن نادمين": المؤمنون: 40 و"أيا"شرطية وهي مفعول"تدعوا".

وقوله:"فله الأسماء الحسنى"جواب الشرط ، وهو من وضع السبب موضع المسبب والمعنى أي اسم من الاسمين تدعوه فهو اسم أحسن له لأن الأسماء الحسنى كلها له فالأسماء الدالة على المسميات منها حسنة تدل على ما فيه حسن ومنها قبيحة بخلافها ولا سبيل للقبيح إليه تعالى ، والأسماء الحسنة منها ما هو أحسن لا شوب نقص وقبح فيه كالغنى الذي لا فقر معه والحياة التي لا موت معها والعزة التي لا ذلة دونها ومنها ما هو حسن يغلب عليه الحسن من غير محوضة ولله سبحانه الأسماء الحسنى ، وهي كل اسم هو أحسن الأسماء في معناه كما يدل عليه قول أئمة الدين: إن الله تعالى غني لا كالأغنياء ، حي لا كالأحياء ، عزيز لا كالأعزة عليم لا كالعلماء وهكذا أي له من كل كمال صرفه ومحضه الذي لا يشوبه خلافه.

والضمير في قوله:"أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى"عائد إلى الذات المتعالية من كل اسم ورسم ، وليس براجع إلى شيء من الاسمين: الله والرحمن لأن المراد بهما - كما تقدم - الاسمان دون الذات المتعالية التي هي مسماة بهما ولا معنى لأن يقال: أيا من الاسمين تدعوا فإن لذلك الاسم جميع الأسماء الحسنى أو باقي الأسماء الحسنى بل المعنى أيا من أسمائه تدعوا فلا مانع منه لأنها جميعا أسماؤه لأنها أسماء حسنى وله الأسماء الحسنى فهي طرق دعوته ودعوتها دعوته فإنها أسماؤه والاسم مرآة المسمى وعنوانه فافهم ذلك.

والآية من غرر الآيات القرآنية تنير حقيقة ما يراه القرآن الكريم من توحيد الذات وتوحيد العبادة قبال ما يراه الوثنية من توحيد الذات وتشريك العبادة.

فإن الوثنية - على ما تقدم جملة من آرائهم في الجزء العاشر من الكتاب - ترى أنه سبحانه ذات متعالية من كل حد ونعت ثم تعينت بأسماء اسما بعد اسم وتسمي ذلك تولدا ، وترى الملائكة والجن مظاهر عالية لأسمائه فهم أبناؤه المتصرفون في الكون ، وترى أن عبادة العابدين وتوجه المتوجهين لا يتعدى طور الأسماء ولا يتجاوز مرتبة الأبناء الذين هم مظاهر أسمائه فإنا إنما نعبد فيما نعبد الإله أو الخالق أو الرازق أو المحيي أو المميت إلى غير ذلك ، وهذه كلها أسماء مظاهرها الأبناء من الملائكة والجن ، وأما الذات المتعالية فهي أرفع من أن يناله حس أو وهم أو عقل ، وأعلى من أن يتعلق به توجه أو طلب أو عبادة أو نسك.

فعندهم دعوة كل اسم هي عبادة ذلك الاسم أي الملك أو الجن الذي هو مظهر ذلك الاسم ، وهو الإله المعبود بتلك العبادة فيتكثر الآلهة بتكثر أنواع الدعوات بأنواع الحاجات ولذلك لما سمع بعض المشركين دعاءه (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلاته: يا الله يا رحمن قال: انظروا إلى هذا الصابىء ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهين.

والآية الكريمة ترد عليهم ذلك وتكشف عن وجه الخطإ في رأيهم بأن هذه الأسماء أسماء حسنى له تعالى فهي مملوكة له محضا لا تستقل دونه بنعت ولا تنحاز عنه في ذات أو صفة تملكه وتقوم به فليس لها إلا الطريقية المحضة ، ويكون دعاؤها دعاءه والتوجه بها توجها إليه ، وكيف يستقيم أن يحجب الاسم المسمى وليس إلا طريقا دالا عليه هاديا إليه ووجها له يتجلى به لغيره ، فدعاء الأسماء الكثيرة لا ينافي توحيد عبادة الذات كما يمتنع أن تقف العبادة على الاسم ولا يتعداه.

ويتفرع على هذا البيان ظهور الخطإ في عد الأسماء أو مظاهرها من الملائكة والجن أبناء له تعالى فإن إطلاق الولد والابن سواء كان على وجه الحقيقة أو التشريف يقتضي نوع مسانخة واشتراك بين الولد والوالد - أو الابن والأب - في حقيقة الذات أو كمال من كمالاته وساحة كبريائه منزهة من أن يشاركه شيء غيره في ذات أو كمال فإن الذي له هو لنفسه ، والذي لغيره هو له لا لأنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت