فهرس الكتاب

الصفحة 2719 من 4314

و كذا ظهور الخطإ في نسبة التصرف في الكون بأنواعه إليهم فإن هؤلاء الملائكة وكذا الأسماء التي هم مظاهر لها عندهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ولا يستقلون دونه بشيء بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، وكذا الجن فيما يعملون وبالجملة ما من سبب من الأسباب الفعالة في الكون إلا وهو تعالى الذي ملكه القدرة على ما يعمله ، وهو المالك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره.

وهذا هو الذي تفيده الآية التالية"و قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل"وسنكرر الإشارة إليه إن شاء الله.

وفي الآية دلالة على أن لفظة الجلالة من الأسماء الحسنى فهو في أصله - الإله - وصف يفيد معنى المعبودية وإن عرضت عليه العلمية بكثرة الاستعمال كما يدل عليه صحة إجراء الصفات عليه يقال: الله الرحمن الرحيم ولا يقال: الرحمن الله الرحيم وفي كلامه تعالى:"بسم الله الرحمن الرحيم".

قوله تعالى:"و لا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا"الجهر والإخفات وصفان متضائفان ، يتصف بهما الأصوات ، وربما يعتبر بينهما خصلة ثالثة هي بالنسبة إلى الجهر إخفات وبالنسبة إلى الإخفات جهر فيكون الجهر هو المبالغة في رفع الصوت ، والإخفات هو المبالغة في خفضه وما بينهما هو الاعتدال فيكون معنى الآية لا تبالغ في صلاتك في الجهر ولا في الإخفات بل اسلك فيما بينهما سبيلا وهو الاعتدال وتسميته سبيلا لأنه سنة يستن بها هو ومن يقتدي به من أمته المؤمنين به.

هذا لو كان المراد بالصلاة في قوله:"بصلاتك"للاستغراق والمراد به كل صلاة صلاة وأما لو أريد المجموع ولعله الأظهر كان المعنى لا تجهر في صلواتك كلها ولا تخافت فيها كلها بل اتخذ سبيلا وسطا تجهر في بعض وتخافت في بعض ، وهذا المعنى أنسب بالنظر إلى ما ثبت في السنة من الجهر في بعض الفرائض اليومية كالصبح والمغرب والعشاء والإخفات في غيرها.

ولعل هذا الوجه أوفق بالنظر إلى اتصال ذيل الآية بصدرها فالجهر بالصلاة يناسب كونه تعالى عليا متعاليا والإخفات يناسب كونه قريبا أقرب من حبل الوريد فاتخاذ الخصلتين جميعا في الصلوات أداء لحق أسمائه جميعا.

قوله تعالى:"و قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا"معطوف على قوله في الآية السابقة:"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن"ويرجع محصل الكلام إلى أن قل لهم إن ما تدعونها من الأسماء وتزعمون أنها آلهة معبودون غيره إنما هي أسماؤه وهي مملوكة له لا تملك أنفسها ولا شيئا لأنفسها فدعاؤها دعاؤه فهو المعبود على كل حال.

ثم أحمده وأثن عليه بما يتفرع على إطلاق ملكه فإنه لا يماثله شيء في ذات ولا صفة حتى يكون ولدا له إن اشتق عنه في ذات أو صفة كما تقوله الوثنية وأهل الكتاب من النصارى واليهود وقدماء المجوس في الملائكة أو الجن أو المسيح أو عزير والأحبار ، أو يكون شريكا إن شاركه في الملك من غير اشتقاق كما تقوله الوثنيون والثنويون وغيرهم من عبدة الشيطان أو يكون وليا له إن شاركه في الملك وفاق عليه فأصلح من ملكه بعض ما لم يقدر هو على إصلاحه.

وبوجه آخر لا يجانسه شيء حتى يكون ولدا إن كان دونه أو شريكا له إن كان مساويا له في مرتبته أو وليا له إن كان فائقا عليه في الملك.

والآية في الحقيقة ثناء عليه تعالى بما له من إطلاق الملك الذي يتفرع عليه نفي الولد والشريك والولي ، ولذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتحميد دون التسبيح مع أن المذكور فيها من نفي الولد والشريك والولي صفات سلبية والذي يناسبها التسبيح دون التحميد فافهم ذلك.

وختم سبحانه الآية بقوله:"و كبره تكبيرا"وقد أطلق إطلاقا بعد التوصيف والتنزيه فهو تكبير من كل وصف ، ولذا فسر"الله أكبر"بأنه أكبر من أن يوصف على ما ورد عن الصادق (عليه السلام) ، ولو كان المعنى أنه أكبر من كل شيء لم يخل من إشراك الأشياء به تعالى في معنى الكبر وهو أعز ساحة أن يشاركه شيء في أمر.

ومن لطيف الصنعة في السورة افتتاح أول آية منها بالتسبيح واختتام آخر آية منها بالتكبير مع افتتاحها بالتحميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت