و قيل إن جملة"و لم يجعل له عوجا"معطوفة على الصلة و"قيما"حال من ضمير"له"والمعنى والذي لم يجعل للكتاب حال كونه قيما عوجا أو أن"قيما"منصوب بمقدر ، والمعنى: والذي لم يجعل له عوجا وجعله قيما ، ولازم الوجهين انقسام العناية بين أصل النزول وبين كون الكتاب قيما لا عوج له.
وقد عرفت أنه خلاف ما يستفاد من السياق.
وقيل: إن في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير نزل الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا وهو أردأ الوجوه.
وقد قدم نفي العوج على إثبات القيمومة لأن الأول كمال الكتاب في نفسه والثاني تكميله لغيره والكمال مقدم طبعا على التكميل.
ووقوع"عوجا"وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم فالقرآن مستقيم في جميع جهاته فصيح في لفظه ، بليغ في معناه ، مصيب في هدايته ، حي في حججه وبراهينه ، ناصح في أمره ونهيه ، صادق فيما يقصه من قصصه وأخباره ، فاصل فيما يقضي به محفوظ من مخالطة الشياطين ، لا اختلاف فيه ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والقيم هو الذي يقوم بمصلحة الشيء وتدبير أمره كقيم الدار وهو القائم بمصالحها ويرجع إليه في أمورها ، والكتاب إنما يكون قيما بما يشتمل عليه من المعاني ، والذي يتضمنه القرآن هو الاعتقاد الحق والعمل الصالح كما قال تعالى:"يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم": الأحقاف: 30 ، وهذا هو الدين وقد وصف تعالى دينه في مواضع من كتابه بأنه قيم قال:"فأقم وجهك للدين القيم": الروم: 43 وعلى هذا فتوصيف الكتاب بالقيم لما يتضمنه من الدين القيم على مصالح العالم الإنساني في دنياهم وأخراهم.
وربما عكس الأمر فأخذ القيمومة وصفا للكتاب ثم للدين من جهته كما في قوله تعالى:"و ذلك دين القيمة": البينة: 5 فالظاهر أن معناه دين الكتب القيمة وهو نوع تجوز.
وقيل: المراد بالقيم المستقيم المعتدل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط ، وقيل: القيم المدبر لسائر الكتب السماوية يصدقها ويحفظها وينسخ شرائعها وتعقيب الكلمة بقوله:"لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين"إلخ يؤيد ما قدمناه.
قوله تعالى:"لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات"الآية أي لينذر الكافرين عذابا شديدا صادرا من عند الله كذا قيل والظاهر بقرينة تقييد المؤمنين المبشرين بقوله:"الذين يعملون الصالحات"إن التقدير لينذر الذين لا يعملون الصالحات أعم ممن لا يؤمن أصلا أو يؤمن ويفسق في عمله.
والجملة على أي حال بيان لتنزيله الكتاب على عبده مستقيما قيما إذ لو لا استقامته في نفسه وقيمومته على غيره لم يستقم إنذار ولا تبشير وهو ظاهر.
والمراد بالأجر الحسن الجنة بقرينة قوله في الآية التالية:"ماكثين فيه أبدا"والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"و ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا"وهم عامة الوثنيين القائلين بأن الملائكة أبناء أو بنات له وربما قالوا بذلك في الجن والمصلحين من البشر والنصارى القائلين بأن المسيح ابن الله وقد نسب القرآن إلى اليهود أنهم قالوا: عزير ابن الله.
وذكر إنذارهم خاصة ثانيا بعد ذكره على وجه العموم أولا بقوله:"لينذر بأسا شديدا من لدنه"لمزيد الاهتمام بشأنهم.
قوله تعالى:"ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم"كانت عامتهم يريدون بقولهم: اتخذ الله ولدا حقيقة التوليد كما يدل عليه قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء": الأنعام: 101."
وقد رد سبحانه قولهم عليهم أولا بأنه قول منهم جهلا بغير علم وثانيا بقوله في آخر الآية:"إن يقولون إلا كذبا".
وكان قوله:"ما لهم به من علم"شاملا لهم جميعا من آباء وأبناء لكنهم لما كانوا يحيلون العلم به إلى آبائهم قائلين إن هذه ملة آبائنا وهم أعلم منا وليس لنا إلا أن نتبعهم ونقتدي بهم فرق تعالى بينهم وبين آبائهم فنفى العلم عنهم أولا وعن آبائهم الذين كانوا يركنون إليهم ثانيا ليكون إبطالا لقولهم ولحجتهم جميعا.
وقوله:"كبرت كلمة تخرج من أفواههم"ذم لهم وإعظام لقولهم: اتخذ الله ولدا لما فيه من عظيم الاجتراء على الله سبحانه بنسبة الشريك والتجسم والتركب والحاجة إلى المعين والخليفة إليه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.