و ربما وقع في كلام أوائلهم إطلاق الابن على بعض خلقه بعناية التشريف للدلالة على قربه منه واختصاصه به نظير قول اليهود فيما حكاه القرآن: عزير ابن الله ، وقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكذا وقع في كلام عدة من قدمائهم إطلاق الابن على بعض الخلق الأول بعناية صدوره منه كما يصدر الابن عن الأب وإطلاق الزوج والصاحبة على وسائط الصدور والإيجاد كما أن زوج الرجل واسطة لصدور الولد منه فأطلق على بعض الملائكة من الخلق الأول الزوج وعلى بعض آخر منهم الابن أو البنت.
وهذان الإطلاقان وإن لم يشتملا على مثل ما اشتمل عليه الإطلاق الأول لكونهما من التجوز بعناية التشريف ونحوه لكنهما ممنوعان شرعا وكفى ملاكا لحرمتهما سوقهما وسوق أمثالهما عامة الناس إلى الشقاء الدائم والهلاك الخالد.
قوله تعالى:"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"البخوع والبخع القتل والإهلاك والآثار علائم أقدام المارة على الأرض ، والأسف شدة الحزن والمراد بهذا الحديث القرآن.
والآية واللتان بعدها في مقام تعزية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتسليته وتطييب نفسه والفاء لتفريع الكلام على كفرهم وجحدهم بآيات الله المفهوم من الآيات السابقة والمعنى يرجى منك أن تهلك نفسك بعد إعراضهم عن القرآن وانصرافهم عنك من شدة الحزن ، وقد دل على إعراضهم وتوليهم بقوله: على آثارهم وهو من الاستعارة.
قوله تعالى:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا"إلى آخر الآيتين الزينة الأمر الجميل الذي ينضم إلى الشيء فيفيده جمالا يرغب إليه لأجله والصعيد ظهر الأرض والجرز على ما في المجمع ، الأرض التي لا تنبت كأنها تأكل النبت أكلا.
ولقد أتى في الآيتين ببيان عجيب في حقيقة حياة الإنسان الأرضية وهو أن النفوس الإنسانية - وهي في أصل جوهرها علوية شريفة - ما كانت لتميل إلى الأرض والحياة عليها وقد قدر الله أن يكون كمالها وسعادتها الخالدة بالاعتقاد الحق والعمل الصالح فاحتالت العناية الإلهية إلى توقيفها موقف الاعتقاد والعمل وإيصالها إلى محك التصفية والتطهير وإسكانها الأرض إلى أجل معلوم بإلقاء التعلق والارتباط بينها وبين ما على الأرض من أمتعة الحياة من مال وولد وجاه وتحبيبه إلى قلوبهم فكان ما على الأرض وهو جميل عندهم محبوب في أنفسهم زينة للأرض وحلية تتحلى بها لكونه عليها فتعلقت نفوسهم على الأرض بسببه واطمأنت إليها.
فإذا انقضى الأجل الذي أجله الله تعالى لمكثهم في الأرض بتحقق ما أراده من البلاء والامتحان سلب الله ما بينهم وبين ما على الأرض من التعلق ومحى ما له من الجمال والزينة وصار كالصعيد الجرز الذي لا نبت فيه ولا نضارة عليه ونودي فيهم بالرحيل وهم فرادى كما خلقهم الله تعالى أول مرة.
وهذه سنة الله تعالى في خلق الإنسان وإسكانه الأرض وتزيينه ما عليها له ليمتحنه بذلك ويتميز به أهل السعادة من غيرهم فيأتي سبحانه بالجيل بعد الجيل والفرد بعد الفرد فيزين له ما على وجه الأرض من أمتعة الحياة ثم يخليه واختياره ليختبرهم بذلك ثم إذا تم الاختبار قطع ما بينه وبين زخارف الدنيا المزينة ونقله من دار العمل إلى دار الجزاء قال تعالى:"و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم - إلى أن قال - ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون": الأنعام: 94.
فمحصل معنى الآية لا تتحرج ولا تأسف عليهم إذ أعرضوا عن دعوتك بالإنذار والتبشير واشتغلوا بالتمتع من أمتعة الحياة فما هم بسابقين ولا معجزين وإنما حقيقة حياتهم هذه نوع تسخير إلهي أسكناهم الأرض ثم جعلنا ما على الأرض زينة يفتتن الناظر إليها لتتعلق به نفوسهم فنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون هذا الذي زين لهم بعينه كالصعيد الجرز الذي ليس فيه نبت ولا شيء مما يرغب فيه النفس فالله سبحانه لم يشأ منهم الإيمان جميعا حتى يكون مغلوبا بكفرهم بالكتاب وتماديهم في الضلال وتبخع أنت نفسك على آثارهم أسفا وإنما أراد بهم الابتلاء والامتحان وهو سبحانه الغالب فيما شاء وأراد.