فهرس الكتاب

الصفحة 2730 من 4314

و سياق الآيات الثلاث التي افتتحت بها القصة مشعر بأن قصة الكهف كانت معلومة إجمالا قبل نزول الوحي بذكر القصة وخاصة سياق قوله:"أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا وأن الذي كشف عنه الوحي تفصيل قصتهم الآخذ من قوله:"نحن نقص عليك نبأهم بالحق"إلى آخر الآيات."

ووجه اتصال آيات القصة بما تقدم أنه يشير بذكر قصتهم ونفي كونهم عجبا من آيات الله أن أمر جعله تعالى ما على الأرض زينة لها يتعلق بها الإنسان ويطمئن إليها مكبا عليها منصرفا غافلا عن غيرها لغرض البلاء والامتحان ثم جعل ما عليها بعد أيام قلائل صعيدا جرزا لا يظهر للإنسان إلا سدى وسرابا ليس ذلك كله إلا آية إلهية هي نظيرة ما جرى على أصحاب الكهف حين سلط الله عليهم النوم في فجوة من الكهف ثلاث مائة سنين شمسية ثم لما بعثهم لم يحسبوا مكثهم ذلك إلا مكث يوم أو بعض يوم.

فمكث كل إنسان في الدنيا واشتغاله بزخارفها وزيناتها وتولهه إليها ذاهلا عما سواها آية تضاهي في معناها آية أصحاب الكهف وسيبعث الله الناس من هذه الرقدة فيسألهم"كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم": المؤمنون: 113"كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار": الأحقاف: 35 فما آية أصحاب الكهف ببدع عجيب من بين الآيات بل هي متكررة جارية ما جرت الأيام والليالي على الإنسان.

فكأنه تعالى لما قال:"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"إلى تمام ثلاث آيات قال مخاطبا لنبيه: فكأنك ما تنبهت أن اشتغالهم بالدنيا وعدم إيمانهم بهذا الحديث عن تعلقهم بزينة الأرض آية إلهية تشابه آية مكث أصحاب الكهف في كهفهم ثم انبعاثهم ولذلك حزنت وكدت تقتل نفسك أسفا بل حسبت أن أصحاب الكهف كانوا من آياتنا بدعا عجبا من النوادر في هذا الباب.

وإنما لم يصرح بهذا المعنى صونا لمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن نسبة الغفلة والذهول إليه ولأن الكناية أبلغ من التصريح.

هذا ما يعطيه التدبر في وجه اتصال القصة وعلى هذا النمط يجري السياق في اتصال ما يتلو هذه القصة من مثل رجلين لأحدهما جنتان وقصة موسى وفتاه وسيجيء بيانه وقد ذكر في اتصال القصة وجوه أخر غير وجيهة لا جدوى في نقلها.

قوله تعالى:"أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا"الحسبان هو الظن ، والكهف هو المغارة في الجبل إلا أنه أوسع منها فإذا صغر سمي غارا والرقيم من الرقم وهو الكتابة والخط فهو في الأصل فعيل بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول ، والعجب مصدر بمعنى التعجب أريد به معنى الوصف مبالغة.

وظاهر سياق القصة أن أصحاب الكهف والرقيم جماعة بأعيانهم والقصة قصتهم جميعا فهم المسمون أصحاب الكهف وأصحاب الرقيم أما تسميتهم أصحاب الكهف فلدخولهم الكهف ووقوع ما جرى عليهم فيه.

وأما تسميتهم أصحاب الرقيم فقد قيل: إن قصتهم كانت منقوشة في لوح منصوب هناك أو محفوظ في خزانة الملوك فبذلك سموا أصحاب الرقيم: وقيل: إن الرقيم اسم الجبل الذي فيه الكهف ، أو الوادي الذي فيه الجبل أو البلد الذي خرجوا منه إلى الكهف أو الكلب الذي كان معهم أقوال خمسة ، وسيأتي في الكلام على قصتهم ما يؤيد القول الأول.

وقيل: إن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف وقصتهم غير قصتهم ذكرهم الله مع أصحاب الكهف ولم يذكر قصتهم وقد رووا لهم قصة سنشير إليها في البحث الروائي الآتي.

وهو بعيد جدا فما كان الله ليشير في بليغ كلامه إلى قصة طائفتين ثم يفصل القول في إحدى القصتين ولا يتعرض للأخرى لا إجمالا ولا تفصيلا على أن ما أوردوه من قصة أصحاب الرقيم لا يلائم السياق السابق المستدعي لذكر قصة أصحاب الكهف.

وقد تبين مما تقدم في وجه اتصال القصة أن معنى الآية: بل ظننت أن أصحاب الكهف والرقيم - وقد أنامهم الله مئات من السنين ثم أيقظهم فحسبوا أنهم لبثوا يوما أو بعض يوم - كانوا من آياتنا آية عجيبة كل العجب؟ لا وليسوا بعجب وما يجري على عامة الإنسان من افتتانه بزينة الأرض وغفلته عن أمر المعاد ثم بعثه وهو يستقل اللبث في الدنيا آية جارية تضاهي آية الكهف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت