فهرس الكتاب

الصفحة 2731 من 4314

و ظاهر السياق - كما تقدمت الإشارة إليه - أن القصة كانت معلومة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إجمالا عند نزول القصة وإنما العناية متعلقة بالإخبار عن تفصيلها ، ويؤيد ذلك تعقيب الآية بالآيات الثلاث المتضمنة لإجمال القصة حيث إنها تذكر إجمال القصة المؤدي إلى عدهم آية عجيبة نادرة في بابها.

قوله تعالى:"إذ أوى الفتية إلى الكهف"إلى آخر الآية الأوي الرجوع ولا كل رجوع بل رجوع الإنسان أو الحيوان إلى محل يستقر فيه أو ليستقر فيه والفتية جمع سماعي لفتى والفتى الشاب ولا تخلو الكلمة من شائبة مدح.

والتهيئة الإعداد قال البيضاوي: وأصل التهيئة إحداث هيأة الشيء انتهى والرشد بفتحتين أو الضم فالسكون الاهتداء إلى المطلوب ، قال الراغب: الرشد والرشد خلاف الغي يستعمل استعمال الهداية.

انتهى.

وقوله:"فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة"تفريع لدعائهم على أويهم كأنهم اضطروا لفقد القوة وانقطاع الحيلة إلى المبادرة إلى المسألة ، ويؤيده قولهم:"من لدنك"فلو لا أن المذاهب أعيتهم والأسباب تقطعت بهم واليأس أحاط بهم ما قيدوا الرحمة المسئولة أن تكون من لدنه تعالى بل قالوا: آتنا رحمة كقول غيرهم"ربنا آتنا في الدنيا حسنة": البقرة: 201"ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك": آل عمران: 194 فالمراد بالرحمة المسئولة التأييد الإلهي إذ لا مؤيد غيره.

ويمكن أن يكون المراد بالرحمة المسئولة من لدنه بعض المواهب والنعم المختصة به تعالى كالهداية التي يصرح في مواضع من كلامه بأنها منه خاصة ، ويشعر به التقييد بقوله"من لدنك"، ويؤيده ورود نظيره في دعاء الراسخين في العلم المنقول في قوله:"ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة": آل عمران: 8 فما سألوا إلا الهداية.

وقوله:"و هيىء لنا من أمرنا رشدا"المراد من أمرهم الشأن الذي يخصهم وهم عليه وقد هربوا من قوم يتبعون المؤمنين ويسفكون دماءهم ويكرهونهم على عبادة غير الله ، والتجئوا إلى كهف وهم لا يدرون ما ذا سيجري عليهم؟ ولا يهتدون أي سبيل للنجاة يسلكون؟ ومن هنا يظهر أن المراد بالرشد الاهتداء إلى ما فيه نجاتهم.

فالجملة أعني قوله:"و هيىء لنا من أمرنا رشدا"على أول الاحتمالين السابقين في معنى الرحمة عطف تفسير على قوله:"آتنا من لدنك رحمة"وعلى ثانيهما مسألة بعد مسألة.

قوله تعالى:"فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا"قال في الكشاف ، أي ضربنا عليها حجابا من أن تسمع يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال: بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة.

انتهى.

وقال في المجمع ،: ومعنى ضربنا على آذانهم سلطنا عليهم النوم ، وهو من الكلام البالغ في الفصاحة يقال: ضربه الله بالفالج إذا ابتلاه الله به ، قال قطرب: هو كقول العرب: ضرب الأمير على يد فلان إذا منعه من التصرف ، قال الأسود بن يعفر وقد كان ضريرا: ومن الحوادث لا أبالك أنني.

ضربت علي الأرض بالأسداد.

وقال: هذا من فصيح لغات القرآن التي لا يمكن أن يترجم بمعنى يوافق اللفظ انتهى ، وما ذكره من المعنى أبلغ مما ذكره الزمخشري.

وهنا معنى ثالث وإن لم يذكروه: وهو أن يكون إشارة إلى ما تصنعه النساء عند إنامة الصبي غالبا من الضرب على أذنه بدق الأكف أو الأنامل عليها دقا نعيما لتتجمع حاسته عليه فيأخذه النوم بذلك فالجملة كناية عن إنامتهم سنين معدودة بشفقة وحنان كما تفعل الأم المرضع بطفلها الرضيع.

وقوله:"سنين عددا"ظرف للضرب ، والعدد مصدر كالعد بمعنى المعدود فالمعنى سنين معدودة ، وقيل بحذف المضاف والتقدير ذوات عدد.

وقد قال في الكشاف ، إن توصيف السنين بالعدد يحتمل أن يراد به التكثير أو التقليل لأن الكثير قليل عنده كقوله: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، وقال الزجاج إن الشيء إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعد وإذا كثر احتاج إلى أن يعد.

انتهى ملخصا.

وربما كانت العناية في التوصيف بالعدد هي أن الشيء إذا بلغ في الكثرة عسر عده فلم يعد عادة وكان التوصيف بالعدد أمارة كونه قليلا يقبل العد بسهولة ، قال تعالى:"و شروه بثمن بخس دراهم معدودة": يوسف: 20 أي قليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت