فهرس الكتاب

الصفحة 2735 من 4314

و قد ذكر المفسرون أن الكهف كان بابه مقابلا للقطب الشمالي يسامت بنات النعش ، والجانب الأيمن منه ما يلي المغرب ويقع عليه شعاع الشمس عند طلوعها والجانب الأيسر منه ما يلي المشرق وتناله الشمس عند غروبها ، وهذا مبني على أخذ جهتي اليمين والشمال للكهف باعتبار الداخل فيه ، وكأن ذلك منهم تعويلا على ما هو المشهور أن هذا الكهف واقع في بلدة إفسوس من بلاد الروم الشرقي فإن الكهف الذي هناك قطبي يقابل بابه القطب الشمالي متمايلا قليلا إلى المشرق على ما يقال.

والمعمول في اعتبار اليمين واليسار لمثل الكهف والبيت والفسطاط وكل ما له باب أن يؤخذا باعتبار الخارج منه دون الداخل فيه فإن الإنسان أول ما أحس الحاجة إلى اعتبار الجهات أخذها لنفسه فسمى ما يلي رأسه وقدمه علوا وسفلا وفوق وتحت ، وسمى ما يلي وجهه قدام وما يقابله خلف ، وسمى الجانب القوي منه وهو الذي فيه يده القوية يمينا ، والذي يخالفه شمالا ويسارا ثم إذا مست الحاجة إلى اعتبار الجهات في شيء فرض الإنسان نفسه مكانه فما كان من أطراف ذلك الشيء ينطبق عليه الوجه وهو الطرف الذي يستقبل به الشيء غيره تعين به قدامه وبما يقاطره خلفه ، وبما ينطبق عليه يمين الإنسان من أطرافه يمينه وكذا بيسار الإنسان يساره.

وإذ كان الوجه في مثل البيت والدار والفسطاط وكل ما له باب طرفه الذي فيه الباب كان تعين يمينه ويساره باعتبار الخارج من الباب دون الداخل منه ، وعلى هذا يكون الكهف الذي وصفته الآية بما وصفت جنوبيا يقابل بابه القطب الجنوبي لا كما ذكروه ، وللكلام تتمة ستوافيك إن شاء الله.

وعلى أي حال كان وضعهم هذا من عناية الله ولطفه بهم ليستبقيهم بذلك حتى يبلغ الكتاب أجله ، وإليه الإشارة بقوله عقيبه:"ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا".

وقوله:"و تحسبهم أيقاظا وهم رقود"الأيقاظ جمع يقظ ويقظان والرقود جمع راقد وهو النائم ، وفي الكلام تلويح إلى أنهم كانوا مفتوحي الأعين حال نومهم كالأيقاظ.

وقوله:"و نقلبهم ذات اليمين وذات الشمال"أي ونقلبهم جهة اليمين وجهة الشمال ، والمراد نقلبهم تارة من اليمين إلى الشمال وتارة من الشمال إلى اليمين لئلا تأكلهم الأرض ، ولا تبلى ثيابهم ، ولا تبطل قواهم البدنية بالركود والخمود طول المكث.

وقوله:"و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد"الوصيد فناء البيت وقيل: عتبة الدار والمعنى كانوا على ما وصف من الحال والحال أن كلبهم مفترش بذراعيه باسط لهما بفناء الكهف وفيه إخبار بأنهم كان لهم كلب يلازمهم وكان ماكثا معهم طول مكثهم في الكهف.

وقوله:"لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا"بيان أنهم وحالهم هذا الحال كان لهم منظر موحش هائل لو أشرف عليهم الإنسان فر منهم خوفا من خطرهم تبعدا من المكروه المتوقع من ناحيتهم وملأ قلبه الروع والفزع رعبا وسرى إلى جميع الجوارح فملأ الجميع رعبا ، والكلام في الخطاب الذي في قوله:"لوليت"وقوله:"و لملئت"كالكلام في الخطاب الذي في قوله:"و ترى الشمس".

وقد بان بما تقدم من التوضيح أولا: الوجه في قوله:"و لملئت منهم رعبا"ولم يقل: ولملىء قلبك رعبا.

وثانيا: الوجه في ترتيب الجملتين:"لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا"وذلك أن الفرار وهو التبعد من المكروه معلول لتوقع وصول المكروه تحذرا منه ، وليس بمعلول للرعب الذي هو الخشية وتأثر القلب ، والمكروه المترقب يجب أن يتحذر منه سواء كان هناك رعب أو لم يكن.

فتقديم الفرار على الرعب ليس من قبيل تقديم المسبب على سببه بل من تقديم حكم الخوف على الرعب وهما حالان متغايران قلبيان ، ولو كان بدل الخوف من الرعب لكان من حق الكلام تقديم الجملة الثانية وتأخير الأولى وأما بناء على ما ذكرناه فتقديم حكم الخوف على حصول الرعب وهما جميعا أثران للاطلاع على منظرهم الهائل الموحش أحسن وأبلغ لأن الفرار أظهر دلالة على ذلك من الامتلاء بالرعب.

قوله تعالى:"و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم"إلى آخر الآيتين التساؤل سؤال بعض القوم بعضا ، والورق بالفتح فالكسر: الدراهم ، وقيل هو الفضة مضروبة كانت أو غيرها ، وقوله: إن يظهروا عليكم أي إن يطلعوا عليكم أو إن يظفروا بكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت