فهرس الكتاب

الصفحة 2736 من 4314

و الإشارة بقوله:"و كذلك بعثناهم"إلى إنامتهم بالصورة التي مثلتها الآيات السابقة أي كما أنمناهم في الكهف دهرا طويلا على هذا الوضع العجيب المدهش الذي كان آية من آياتنا كذلك بعثناهم وأيقظناهم ليتساءلوا بينهم.

وهذا التشبيه وجعل التساؤل غاية للبعث مع ما تقدم من دعائهم لدى ورود الكهف وإنامتهم إثر ذلك يدل على أنهم إنما بعثوا من نومتهم ليتساءلوا فيظهر لهم حقيقة الأمر ، وإنما أنيموا ولبثوا في نومتهم دهرا ليبعثوا ، وقد نومهم الله إثر دعائهم ومسألتهم رحمة من عند الله واهتداء مهيأ من أمرهم فقد كان أزعجهم استيلاء الكفر على مجتمعهم وظهور الباطل وإحاطة القهر والجبر وهجم عليهم اليأس والقنوط من ظهور كلمة الحق وحرية أهل الدين في دينهم فاستطالوا لبث الباطل في الأرض وظهوره على الحق كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه.

وبالجملة لما غلبت عليهم هذه المزعمة واستيأسوا من زوال غلبة الباطل أنامهم الله سنين عددا ثم بعثهم ليتساءلوا فيجيبوا بيوم أو بعض يوم ثم ينكشف لهم تحول الأحوال ومرور مآت من السنين عند غيرهم وهي بنظرة أخرى كيوم أو بعض يوم فيعلموا أن طول الزمان وقصره ليس بذاك الذي يميت حقا أو يحيي باطلا وإنما هو الله سبحانه جعل ما على الأرض زينة لها وجذب إليها الإنسان وأجرى فيها الدهور والأيام ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، وليس للدنيا إلا أن تغر بزينتها طالبيها ممن أخلد إلى الأرض واتبع هواه.

وهذه حقيقة لا تزال لائحة للإنسان كلما انعطف على ما مرت عليه من أيامه السالفة وما جرت عليه من الحوادث حلوها ومرها وجدها كطائف في نومة أو سنة في مثل يوم غير أن سكر الهوى والتلهي بلهو الدنيا لا يدعه أن ينتبه للحق فيتبعه لكن لله سبحانه على الإنسان يوم لا يشغله عن مشاهدة هذه الحقيقة شاغل من زينة الدنيا وزخرفها وهو يوم الموت كما عن علي (عليه السلام) :"الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ويوم آخر وهو يوم يطوي فيه بساط الدنيا وزينتها ويقضي على العالم الإنساني بالبيد والانقراض."

وقد ظهر بما تقدم أن قوله تعالى:"ليتساءلوا بينهم"غاية لبعثهم واللام لتعليل الغاية ، وتنطبق على ما مر من الغاية في قوله:"ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا".

وذكر بعضهم: أنه بعض الغاية وضع موضعها لاستتباعه لسائر آثار البعث كأنه قيل ليتساءلوا بينهم وينجر ذلك إلى ظهور أمرهم وانكشاف الآية وظهور القدرة وهذا مع عدم شاهد عليه من جهة اللفظ تكلف ظاهر.

وذكر آخرون: أن اللام في قوله:"ليتساءلوا"للعاقبة دون الغاية استبعادا لأن يكون التساؤل وهو أمر هين غاية للبعث وهو آية عظيمة ، وفيه أن جعل اللام للعاقبة لا يجدي نفعا في دفع ما استبعده إذ كما لا ينبغي أن يجعل أمر هين للغاية مطلوبة لأمر خطير وآية عظيمة كذلك لا يحسن ذكر شيء يسير عاقبة لأمر ذي بال وآية عجيبة مدهشة على أنك عرفت صحة كون التساؤل علة غائية للبعث آنفا.

وقوله:"قال قائل منهم كم لبثتم"دليل على أن السائل عن لبثهم كان واحدا منهم خاطب الباقين وسألهم عن مدة لبثهم في الكهف نائمين وكأن السائل استشعر طولا في لبثهم مما وجده من لوثة النوم الثقيل بعد التيقظ فقال: كم لبثتم؟.

وقوله:"قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم"ترددوا في جوابهم بين اليوم وبعض اليوم وكأنهم بنوا الجواب على ما شاهدوا من تغير محل وقوع الشمس كأن أخذوا في النوم أوائل النهار وانتبهوا في أواسطه أو أواخره ثم شكوا في مرور الليل عليهم فيكون مكثهم يوما وعدم مروره فيكون بعض يوم فأجابوا بالترديد بين يوم وبعض يوم وهو على أي حال جواب واحد.

وقول بعضهم: إن الترديد على هذا يجب أن يكون بين بعض يوم ويوم وبعض لا بين يوم وبعض يوم فالوجه أن يكون"أو"للتفصيل لا للترديد والمعنى قال بعضهم: لبثنا يوم وقال بعض آخر: لبثنا بعض يوم.

لا يلتفت إليه أما أولا فلأن هذا المعنى لا يتلقى من سياق مثل قوله:"لبثنا يوما أو بعض يوم"البتة وقد أجاب بمثله شخص واحد بعينه قال تعالى:"قال كم لبثت قال: لبثت يوما أو بعض يوم": البقرة: 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت