فهرس الكتاب

الصفحة 2737 من 4314

و أما ثانيا فلأن قولهم:"لبثنا يوما"إنما أخذوه عما استدلوا به من الأمور المشهودة لهم لجلالة قدرهم عن التحكم والتهوس والمجازفة والأمور الخارجية التي يستدل بها الإنسان وخاصة من نام ثم انتبه من شمس وظل ونور وظلمة ونحو ذلك لا تشخص مقدار اليوم التام من غير زيادة ونقيصة سواء في ذلك الترديد والتفصيل فالمراد باليوم على أي حال ما يزيد على ليلة بنهارها بعض الزيادة وهو استعمال شائع.

وقوله تعالى:"قالوا ربكم أعلم بما لبثتم"أي قال بعض آخر منهم ردا على القائلين: لبثنا يوما أو بعض يوم":"ربكم أعلم بما لبثتم"ولو لم يكن ردا لقالوا ربنا أعلم بما لبثنا."

وبذلك يظهر أن إحالة العلم إلى الله تعالى في قولهم:"ربكم أعلم"ليس لمجرد مراعاة حسن الأدب كما قيل بل لبيان حقيقة من حقائق معارف التوحيد وهي أن العلم بحقيقة معنى الكلمة ليس إلا لله سبحانه فإن الإنسان محجوب عما وراء نفسه لا يملك بإذن الله إلا نفسه ولا يحيط إلا بها وإنما يحصل له من العلم بما هو خارج عن نفسه ما دلت عليه الأمارات الخارجية وبمقدار ما ينكشف بها وأما الإحاطة بعين الأشياء ونفس الحوادث وهو العلم حقيقة فإنما هو لله سبحانه المحيط بكل شيء الشهيد على كل شيء والآيات الدالة على هذه الحقيقة لا تحصى.

فليس للموحد العارف بمقام ربه إلا أن يسلم الأمر له وينسب العلم إليه ولا يسند إلى نفسه شيئا من الكمال كالعلم والقدرة إلا ما اضطر إليه فيبدأ بربه فينسب إليه حقيقة الكمال ثم لنفسه ما ملكه الله إياه وأذن له فيه كما قال:"علم الإنسان ما لم يعلم": العلق: 5 وقال:"قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا": البقرة: 32 إلى آيات أخرى كثيرة.

ويظهر بذلك أن القائلين منهم:"ربكم أعلم بما لبثتم"كانوا أعلى كعبا في مقام المعرفة من القائلين:"لبثنا يوما أو بعض يوم"ولم يريدوا بقولهم هذا مجرد إظهار الأدب وإلا لقالوا: ربنا أعلم بما لبثنا ولم يكونوا أحد الحزبين اللذين أشار سبحانه إليهما بقوله فيما سبق:"ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا"فإن إظهار الأدب لا يسمى قولا وإحصاء ولا الآتي به ذا قول وإحصاء.

والظاهر أن القائلين منهم:"ربكم أعلم بما لبثتم"غير القائلين:"لبثنا يوما أو بعض يوم"فإن السياق سياق المحاورة والمجاوبة كما قيل ولازمه كون المتكلمين ثانيا غير المتكلمين أولا ولو كانوا هم الأولين بأعيانهم لكان من حق الكلام أن يقال: ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا بدل قوله:"ربكم أعلم"إلخ.

ومن هنا يستفاد أن القوم كانوا سبعة أو أزيد إذ قد وقع في حكاية محاورتهم"قال"مرة و"قالوا"مرتين وأقل الجمع ثلاثة فقد كانوا لا يقل عددهم من سبعة.

وقوله تعالى:"فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه"من تتمة المحاورة وفيه أمر أو عرض لهم أن يرسلوا رسولا منهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاما يتغذون به والضمير في"أيها"راجع إلى المدينة والمراد بها أهلها من الكسبة استخداما.

وزكاء الطعام كونه طيبا وقيل: كونه حلالا وقيل: كونه طاهرا ووروده بصيغة أفعل التفضيل"أزكى طعاما"لا يخلو من إشعار بالمعنى الأول.

والضمير في"منه"للطعام المفهوم من الكلام وقيل: للأزكى طعاما و"من"للابتداء أو التبعيض أي ليأتكم من ذلك الطعام الأزكى برزق ترتزقون به ، وقيل: الضمير للورق و"من"للبداية وهو بعيد لإحواجه إلى تقدير ضمير آخر يرجع إلى الجملة السابقة وكونه ضمير التذكير وقد أشير إلى الورق بلفظ التأنيث من قبل.

وقوله تعالى:"و ليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا"التلطف إعمال اللطف والرفق وإظهاره فقوله:"و لا يشعرن بكم أحدا"عطف تفسيري له والمراد على ما يعطيه السياق: ليتكلف اللطف مع أهل المدينة في ذهابه ومجيئه ومعاملته لهم كي لا يقع خصومة أو منازعة لتؤدي إلى معرفتهم بحالكم وإشعارهم بكم ، وقيل المعنى ليتكلف اللطف في المعاملة وإطلاق الكلام يدفعه.

وقوله تعالى:"إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا"تعليل للأمر بالتلطف وبيان لمصلحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت