ثم قوله:"فلينظر أيها أزكى طعاما"إلخ وقوله:"و ليتلطف"إلخ نصح وقوله:"إنهم إن يظهروا عليكم"إلخ نصح لهم وإشفاق على نفوسهم بما هم مؤمنون على دينهم.
وقوله تعالى:"بورقكم هذه"على ما فيه من الإضافة والإشارة المعينة لشخص الورق مشعر بعناية خاصة بذكرها فإن سياق استدعاء أن يبعثوا أحدا لاشتراء طعام لهم لا يستوجب بالطبع ذكر الورق التي يشتري بها الطعام والإشارة إليها بشخصها ولعلها إنما ذكرت في الآية مع خصوصية الإشارة لأنها كانت هي السبب لظهور أمرهم وانكشاف حالهم لأنها حين أخرجها رسومها ليدفعها ثمنا للطعام كانت من مسكوكات عهد مرت عليها ثلاثة قرون وليس في آيات القصة ما يشعر بسبب ظهور أمرهم وانكشاف حالهم إلا هذه اللفظة.
قوله تعالى:"و كذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم"قال في المفردات: ، عثر الرجل يعثر عثرا وعثورا إذا سقط ويتجوز به فيمن يطلع على أمر من غير طلبه قال تعالى: فإن عثر على أنهما استحقا إثما. يقال عثرت على كذا قال:"و كذلك أعثرنا عليهم"أي وقفناهم عليهم من غير أن طلبوا.
انتهى.
والتشبيه في قوله:"و كذلك أعثرنا عليهم"كنظيره في قوله:"و كذلك بعثناهم"أي وكما أنساهم دهرا ثم بعثناهم لكذا وكذا كذلك أعثرنا عليهم ومفعول أعثرنا هو الناس المدلول عليه بالسياق كما يشهد به ذيل الآية وقوله:"ليعلموا أن وعد الله حق"ضمير الجمع للناس والمراد بوعد الله على ما يعطيه السياق البعث ويكون قوله:"و أن الساعة لا ريب فيها"عطفا تفسيريا لسابقه.
وقوله:"إذ يتنازعون بينهم أمرهم"ظرف لقوله:"أعثرنا"أو لقوله"ليعلموا"والتنازع التخاصم قيل: أصل التنازع التجاذب ويعبر به عن التخاصم وهو باعتبار أصل معناه يتعدى بنفسه ، وباعتبار التخاصم يتعدى بفي كقوله تعالى:"فإن تنازعتم في شيء"انتهى.
والمراد بتنازع الناس بينهم أمرهم تنازعهم في أمر البعث وإنما أضيف إليهم إشعارا باهتمامهم واعتنائهم بشأنه فهذه حال الآية من جهة مفرداتها بشهادة بعضها على بعض.
والمعنى على ما مر: وكما أنمناهم ثم بعثناهم لكذا وكذا أطلعنا الناس عليهم في زمان يتنازعون أي الناس بينهم في أمر البعث ليعلموا أن وعد الله بالبعث حق وأن الساعة لا ريب فيها.
أو المعنى أعثرنا عليهم ليعلم الناس مقارنا لزمان يتنازعون فيه بينهم في أمر البعث أن وعد الله بالبعث حق.
وأما دلالة بعثهم عن النوم على أن البعث يوم القيامة حق فإنما هو من جهة أن انتزاع أرواحهم عن أجسادهم ذاك الدهر الطويل وتعطيل شعورهم وركود حواسهم عن أعمالها وسقوط آثار القوى البدنية كالنشو والنماء ونبات الشعر والظفر وتغير الشكل وظهور الشيب وغير ذلك وسلامة ظاهر أبدانهم وثيابهم عن الدثور والبلى ثم رجوعهم إلى حالهم يوم دخلوا الكهف بعينها يماثل انتزاع الأرواح عن الأجساد بالموت ثم رجوعها إلى ما كانت عليها ، وهما معا من خوارق العادة لا يدفعهما إلا الاستبعاد من غير دليل.
وقد حدث هذا الأمر في زمان ظهر التنازع بين طائفتين من الناس موحد يرى مفارقة الأرواح الأجساد عند الموت ثم رجوعها إليها في البعث ومشرك 1 يرى مغايرة الروح البدن ومفارقتها له عند الموت لكنه لا يرى البعث وربما رأى التناسخ.
فحدوث مثل هذه الحادثة في مثل تلك الحال لا يدع ريبا لأولئك الناس أنها آية إلهية قصد بها إزالة الشك عن قلوبهم في أمر البعث بالدلالة بالمماثل على المماثل ورفع الاستبعاد بالوقوع.
ويقوى هذا الحدس منهم ويشتد بموتهم بعيد الانبعاث فلم يعيشوا بعده إلا سويعات لم تسع أزيد من اطلاع الناس على حالهم واجتماعهم عليهم واستخبارهم عن قصتهم وإخبارهم بها.
ومن هنا يظهر وجه آخر لقوله تعالى:"إذ يتنازعون بينهم أمرهم"وهو رجوع الضميرين الأولين إلى الناس والثالث إلى أصحاب الكهف وكون"إذ"ظرفا لقوله"ليعلموا"ويؤيده قوله بعده:"ربهم أعلم بهم"على ما سيجيء.