فهرس الكتاب

الصفحة 2740 من 4314

و الاعتراض على هذا الوجه أولا: بأنه يستدعي كون التنازع بعد الإعثار وليس كذلك وثانيا بأن التنازع كان قبل العلم وارتفع به فكيف يكون وقته وقته ، مدفوع بأن التنازع على هذا الوجه في الآية هو تنازع الناس في أمر أصحاب الكهف وقد كان بعد الإعثار ومقارنا للعلم زمانا ، والذي كان قبل الإعثار وقبل العلم هو تنازعهم في أمر البعث وليس بمراد على هذا الوجه.

وقوله تعالى:"فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم"القائلون هم المشركون من القوم بدليل قوله بعده:"قال الذين غلبوا على أمرهم"والمراد ببناء البنيان عليهم على ما قيل أن يضرب عليهم ما يجعلون به وراءه ويسترون عن الناس فلا يطلع عليهم مطلع منهم كما يقال: بنى عليه جدارا إذا حوطه وجعله وراءه.

وهذا الشطر من الكلام بانضمامه إلى ما قبله من قوله:"و كذلك بعثناهم""و كذلك أعثرنا عليهم"يلوح إلى تمام القصة كأنه قيل: ولما أن جاء رسولهم إلى المدينة وقد تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع بمرور ثلاثة قرون على دخولهم في الكهف وانقضت سلطة الشرك وألقي زمام المجتمع إلى التوحيد وهو لا يدري لم يلبث دون أن ظهر أمره وشاع خبره فاجتمع عليه الناس ثم هجموا وازدحموا على باب الكهف فاستنبئوهم قصتهم وحصلت الدلالة الإلهية ثم إن الله قبضهم إليه فلم يلبثوا أحياء بعد انبعاثهم إلا سويعات ارتفعت بها عن الناس شبهتهم في أمر البعث وعندئذ قال المشركون ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم.

وفي قوله:"ربهم أعلم بهم"إشارة إلى وقوع خلاف بين الناس المجتمعين عليهم أمرهم ، فإنه كلام آيس من العلم بهم واستكشاف حقيقة أمرهم يلوح منه أن القوم تنازعوا في شيء مما يرجع إليهم فتبصر فيه بعضهم ولم يسكن الآخرون إلى شيء ولم يرتضوا رأي مخالفيهم فقالوا: ابنوا لهم بنيانا ربهم أعلم بهم.

فمعنى الجملة أعني قوله:"ربهم أعلم بهم"يتفاوت بالنظر إلى الوجهين المتقدمين في قوله:"إذ يتنازعون بينهم أمرهم"إذ للجملة على أي حال نوع تفرع على تنازع بينهم كما عرفت آنفا فإن كان التنازع المدلول عليه بقوله:"إذ يتنازعون بينهم أمرهم"هو التنازع في أمر البعث بالإقرار والإنكار لكون ضمير"أمرهم"للناس كان المعنى أنهم تنازعوا في أمر البعث فأعثرناهم عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها لكن المشركين لم ينتهوا بما ظهرت لهم من الآية فقالوا ابنوا على أصحاب الكهف بنيانا واتركوهم على حالهم ينقطع عنهم الناس فلم يظهر لنا من أمرهم شيء ولم نظفر فيهم على يقين ربهم أعلم بهم ، وقال الموحدون أمرهم ظاهر وآيتهم بينة ولنتخذن عليهم مسجدا يعبد فيه الله ويبقى ببقائه ذكرهم.

وإن كان التنازع هو التنازع في أصحاب الكهف وضمير"أمرهم"راجعا إليهم كان المعنى أنا أعثرنا الناس عليهم بعد بعثهم عن نومتهم ليعلم الناس أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها عند ما توفاهم الله بعد إعثار الناس عليهم وحصول الغرض وهم أي الناس يتنازعون بينهم في أمرهم أي أمر أصحاب الكهف كأنهم اختلفوا: أ نيام القوم أم أموات؟ وهل من الواجب أن يدفنوا ويقبروا أو يتركوا على هيئتهم في فجوة الكهف فقال المشركون: ابنوا عليهم بنيانا واتركوهم على حالهم ربهم أعلم بهم أ نيام أم أموات؟ قال الموحدون:"لنتخذن عليهم مسجدا".

لكن السياق يؤيد المعنى الأول لأن ظاهره كون قول الموحدين:"لنتخذن عليهم مسجدا"ردا منهم لقول المشركين:"ابنوا عليهم بنيانا"إلخ" والقولان من الطائفتين إنما يتنافيان على المعنى الأول ، وكذا قولهم:"ربهم أعلم بهم"وخاصة حيث قالوا: "ربهم"ولم يقولوا: ربنا أنسب بالمعنى الأول."

وقوله:"قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا"هؤلاء القائلون هم الموحدون ومن الشاهد عليه التعبير عما اتخذوه بالمسجد دون المعبد فإن المسجد في عرف القرآن هو المحل المتخذ لذكر الله والسجود له قال تعالى:"و مساجد يذكر فيها اسم الله": الحج: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت