و قد جاء الكلام بالفصل من غير عطف لكونه بمنزلة جواب عن سؤال مقدر كأن قائلا يقول فما ذا قال غير المشركين؟ فقيل: قال الذين غلبوا إلخ ، وأما المراد بغلبتهم على أمرهم فإن كان المراد بأمرهم هو الأمر المذكور في قوله:"إذ يتنازعون بينهم أمرهم"والضمير للناس فالمراد بالغلبة غلبة الموحدين بنجاحهم بالآية التي قامت على حقية البعث ، وإن كان الضمير للفتية فالغلبة من حيث التصدي لأمرهم والغالبون هم الموحدون وقيل: الملك وأعوانه ، وقيل: أولياؤهم من أقاربهم وهو أسخف الأقوال.
وإن كان المراد بأمرهم غير الأمر السابق والضمير للناس فالغلبة أخذ زمام أمور المجتمع بالملك وولاية الأمور ، والغالبون هم الموحدون أو الملك وأعوانه وإن كان الضمير عائدا إلى الموصول فالغالبون هم الولاة والمراد بغلبتهم على أمورهم أنهم غالبون على ما أرادوه من الأمور قادرون هذا ، وأحسن الوجوه أولها.
والآية من معارك آراء المفسرين ولهم في مفرداتها وفي ضمائر الجمع التي فيها وفي جملها اختلاف عجيب والاحتمالات التي أبدوها في معاني مفرداتها ومراجع ضمائرها وأحوال جملها إذا ضربت بعضها في بعض بلغت الألوف ، وقد أشرنا منها إلى ما يلائم السياق وعلى الطالب لأزيد من ذلك أن يراجع المطولات.
قوله تعالى:"سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم - إلى قوله - وثامنهم كلبهم"يذكر تعالى اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف وأقوالهم فيه ، وهي على ما ذكره تعالى - وقوله الحق - ثلاثة مترتبة متصاعدة أحدها أنهم ثلاثة رابعهم كلبهم والثاني أنهم خمسة وسادسهم كلبهم وقد عقبه بقوله:"رجما بالغيب"أي قولا بغير علم.
وهذا التوصيف راجع إلى القولين جميعا: ولو اختص بالثاني فقط كان من حق الكلام أن يقدم القول الثاني ويؤخر الأول ويذكر مع الثالث الذي لم يذكر معه ما يدل على عدم ارتضائه.
والقول الثالث أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، وقد ذكره الله سبحانه ولم يعقبه بشيء يدل على تزييفه ، ولا يخلو ذلك من إشعار بأنه القول الحق ، وقد تقدم في الكلام على محاورتهم المحكية بقوله تعالى:"قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم"أنه مشعر بل دال على أن عددهم لم يكن بأقل من سبعة.
ومن لطيف صنع الآية في عد الأقوال نظمها العدد من ثلاثة إلى ثمانية نظما متواليا ففيها ثلاثة رابعها خمسة سادسها سبعة وثامنها.
وأما قوله:"رجما بالغيب"تمييز يصف القولين بأنهما من القول بغير علم والرجم هو الرمي بالحجارة وكأن المراد بالغيب الغائب وهو القول الذي معناه غائب عن العلم لا يدري قائله أ هو صدق أم كذب؟ فشبه الذي يلقي كلاما ما هذا شأنه بمن يريد الرجم بالحجارة فيرمي ما لا يدري أ حجر هو يصيب غرضه أم لا؟ ولعله المراد بقول بعضهم: رجما بالغيب أي قذفا بالظن لأن المظنون غائب عن الظان لا علم له به.
وقيل: معنى"رجما بالغيب"ظنا بالغيب وهو بعيد.
وقد قال تعالى:"ثلاثة رابعهم كلبهم"وقال:"خمسة سادسهم كلبهم"فلم يأت بواو ثم قال:"سبعة وثامنهم كلبهم"فأتى بواو قال في الكشاف ،: وثلاثة خبر مبتدإ محذوف أي هم ثلاثة ، وكذلك خمسة وسبعة ، رابعهم كلبهم جملة من مبتدإ وخبر واقعة صفة لثلاثة ، وكذلك سادسهم كلبهم وثامنهم كلبهم.
فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة؟ ولم دخلت عليها دون الأوليين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وبيده سيف ، ومنه قوله تعالى:"و ما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم"وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر.
وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم ، والدليل عليه أن الله سبحانه اتبع القولين الأولين قوله:"رجما بالغيب ، واتبع القول الثالث قوله: ما يعلمهم إلا قليل ، وقال ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة أي لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات انتهى."