و قال في المجمع ، في ذيل ما لخص به كلام أبي علي الفارسي: وأما من قال: هذه الواو واو الثمانية واستدل بقوله:"حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها"لأن للجنة ثمانية أبواب فشيء لا يعرفه النحويون انتهى.
قوله تعالى:"قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل"إلى آخر الآية أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي في عدتهم حق القضاء وهو أن الله أعلم بها وقد لوح في كلامه السابق إلى القول وهذا نظير ما حكى عن الفتية في محاورتهم وارتضاء إذ قال قائل منهم كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم.
قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم.
ومع ذلك ففي الكلام دلالة على أن بعض المخاطبين بخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "ربي أعلم بعدتهم"إلخ كان على علم من ذلك فإن قوله:"ما يعلمهم"ولم يقل: لا يعلمهم يفيد نفي الحال فالاستثناء منه بقوله:"إلا قليل"يفيد الإثبات في الحال واللائح منه على الذهن أنهم من أهل الكتاب.
وبالجملة مفاد الكلام أن الأقوال الثلاثة كانت محققة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى هذا فقوله:"سيقولون ثلاثة"إلخ المفيد للاستقبال ، وكذا قوله:"و يقولون خمسة"إلخ ، وقوله:"و يقولون سبعة"إلخ إن كانا معطوفين على مدخول السين في"سيقولون"تفيد الاستقبال القريب بالنسبة إلى زمن نزول الآيات أو زمن وقوع الحادثة فافهم ذلك.
وقوله تعالى:"فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا"قال الراغب: المرية التردد في الأمر وهو أخص من الشك ، قال: والامتراء والمماراة المحاجة فيما فيه مرية قال: وأصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب.
انتهى.
فتسمية الجدال مماراة لما فيه من إصرار المماري بالبحث ليفرغ خصمه كل ما عنده من الكلام فينتهي عنه.
والمراد بكون المراء ظاهرا أن لا يتعمق فيه بالاقتصار على ما قصه القرآن من غير تجهيل لهم ولا رد كما قيل ، وقيل: المراء الظاهر ما يذهب بحجة الخصم يقال: ظهر إذا ذهب ، قال الشاعر: .
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
والمعنى: وإذا كان ربك أعلم وقد أنبأك نبأهم فلا تحاجهم في الفتية إلا محاجة ظاهرة غير متعمق فيها - أو محاجة ذاهبة لحجتهم - ولا تطلب الفتيا في الفتية من أحد منهم فربك حسبك.
قوله تعالى:"و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله"الآية الكريمة سواء كان الخطاب فيها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة أو له ولغيره متعرضة للأمر الذي يراه الإنسان فعلا لنفسه ويخبر بوقوعه منه في مستقبل الزمان.
والذي يراه القرآن في تعليمه الإلهي أن ما في الوجود من شيء ذاتا كان أو فعلا وأثرا فإنما هو مملوك لله وحده له أن يفعل فيه ما يشاء ويحكم فيه ما يريد لا معقب لحكمه ، وليس لغيره أن يملك شيئا إلا ما ملكه الله تعالى منه وأقدره عليه وهو المالك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره والآيات القرآنية الدالة على هذه الحقيقة كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها.
فما في الكون من شيء له فعل أو أثر - وهذه هي التي نسميها فواعل وأسبابا وعللا فعالة - غير مستقل في سببيته ولا مستغن عنه تعالى في فعله وتأثيره لا يفعل ولا يؤثر إلا ما شاء الله أن يفعله ويؤثره أي أقدره عليه ولم يسلب عنه القدرة عليه بإرادة خلافه.
وبتعبير آخر كل سبب من الأسباب الكونية ليس سببا من تلقاء نفسه وباقتضاء من ذاته بل بإقداره تعالى على الفعل والتأثير وعدم إرادته خلافه ، وإن شئت فقل: بتسهيله تعالى له سبيل الوصول إليه ، وإن شئت فقل بإذنه تعالى فالإذن هو الإقدار ورفع المانع وقد تكاثرت الآيات الدالة على أن كل عمل من كل عامل موقوف على إذنه تعالى قال تعالى:"ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله": الحشر - 5 وقال:"ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله": التغابن: 11 وقال:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف: 58 وقال:"و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله": آل عمران: 145 وقال:"و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله": يونس: 100 وقال:"و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله": النساء: 64 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.