فعلى الإنسان العارف بمقام ربه المسلم له أن لا يرى نفسه سببا مستقلا لفعله مستغنيا فيه عن غيره بل مالكا له بتمليك الله قادرا عليه بإقداره وأن القوة لله جميعا وإذا عزم على فعل أن يعزم متوكلا على الله قال تعالى:"فإذا عزمت فتوكل على الله"وإذا وعد بشيء أو أخبر عما سيفعله أن يقيده بإذن الله أو بعدم مشيته خلافه.
وهذا المعنى هو الذي يسبق إلى الذهن المسبوق بهذه الحقيقة القرآنية إذا قرع بابه قوله تعالى:"و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله"وخاصة بعد ما تقدم في آيات القصة من بيان توحده تعالى في ألوهيته وربوبيته وما تقدم قبل آيات القصة من كون ما على الأرض زينة لها سيجعله الله صعيدا جرزا.
ومن جملة ما على الأرض أفعال الإنسان التي هي زينة جالبة للإنسان يمتحن بها وهو يراها مملوكة لنفسه.
وذلك أن قوله:"و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا"نهي عن نسبته فعله إلى نفسه ، ولا بأس بهذه النسبة قطعا فإنه سبحانه كثيرا ما ينسب في كلامه الأفعال إلى نبيه وإلى غيره من الناس وربما يأمره أن ينسب أفعالا إلى نفسه قال تعالى:"فقل لي عملي ولكم عملكم": يونس: 41 ، وقال:"لنا أعمالنا ولكم أعمالكم": الشورى: 15.
فأصل نسبة الفعل إلى فاعله مما لا ينكره القرآن الكريم وإنما ينكر دعوى الاستقلال في الفعل والاستغناء عن مشيته وإذنه تعالى فهو الذي يصلحه الاستثناء أعني قوله:"إلا أن يشاء الله".
ومن هنا يظهر أن الكلام على تقدير باء الملابسة وهو استثناء مفرغ عن جميع الأحوال أو جميع الأزمان ، وتقديره: ولا تقولن لشيء - أي لأجل شيء تعزم عليه - إني فاعل ذلك غدا في حال من الأحوال أو زمان من الأزمنة إلا في حال أو في زمان يلابس قولك المشية بأن تقول: إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله أن أفعله أو إلا أن يشاء الله أن لا أفعله والمعنى على أي حال: إن أذن الله في فعله.
هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية ويؤيده ذيلها وللمفسرين فيها توجيهات أخرى.
منها أن المعنى هو المعنى السابق إلا أن الكلام بتقدير القول في الاستثناء وتقدير الكلام: إلا أن تقول إن شاء الله ، ولما حذف"تقول"نقل"إن شاء الله"إلى لفظ الاستقبال ، فيكون هذا تأديبا من الله للعباد وتعليما لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج عن حد القطع فلا يلزمهم كذب أو حنث إذا لم يفعلوه لمانع والوجه منسوب إلى الأخفش.
وفيه أنه تكلف من غير موجب.
على أن التبديل المذكور يغير المعنى وهو ظاهر ومنها أن الكلام على ظاهره غير أن المصدر المؤول إليه"أن يشاء الله"بمعنى المفعول ، والمعنى لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا ما يشاؤه الله ويريده ، وإذ كان الله لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قيل: ولا تقولن في شيء إني سأفعله إلا الطاعات ، والنهي للتنزيه لا للتحريم حتى يعترض عليه بجواز العزم على المباحات والإخبار عنه.
وفيه أنه مبني على حمل المشية على الإرادة التشريعية ولا دليل عليه ولم يستعمل المشية في كلامه تعالى بهذا المعنى قط وقد استعمل استثناء المشية التكوينية في مواضع من كلامه كما حكى من قول موسى لخضر:"ستجدني إن شاء الله صابرا": الكهف: 69 ، وقول شعيب لموسى:"ستجدني إن شاء الله من الصالحين": القصص ، 27 وقول إسماعيل لأبيه:"ستجدني إن شاء الله من الصابرين": الصافات: 102 وقوله تعالى:"لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين": الفتح: 27 إلى غير ذلك من الآيات.
والوجه مبني على أصول الاعتزال وعند المعتزلة أن لا مشية لله سبحانه في أعمال العباد إلا الإرادة التشريعية المتعلقة بالطاعات ، وهو مدفوع بالعقل والنقل.
ومنها أن الاستثناء من الفعل دون القول من غير حاجة إلى تقدير ، والمعنى ولا تقولن لشيء هكذا وهو أن تقول: إني فاعل ذلك غدا باستقلالي إلا أن يشاء الله خلافه بإبداء مانع على ما تقوله المعتزلة أن العبد فاعل مستقل للفعل إلا أن يبدىء الله مانعا دونه أقوى منه ، ومآل المعنى أن لا تقل في الفعل بقول المعتزلة.