و فيه أن تعلق الاستثناء بالفعل دون القول بما مر من البيان أتم فلا وجه للنهي عن تعليق الاستثناء على الفعل ، وقد وقع تعليقه على الفعل في مواضع من كلامه من غير أن يرده كقوله حكاية عن إبراهيم:"و لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا": الأنعام: 80 وقوله حكاية عن شعيب:"و ما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله": الأعراف: 89 ، وقوله:"و ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله": الأنعام: 111 إلى غير ذلك من الآيات.
فلتحمل الآية التي نحن فيها على ما يوافقها.
ومنها: أن الاستثناء من أعم الأوقات إلا أن مفعول"يشاء"هو القول والمعنى ولا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقوله ، والمراد بالمشية الإذن أي لا تقل ذلك إلا أن يؤذن لك فيه بالإعلام.
وفيه أنه مبني على تقدير شيء لا دليل عليه من جهة اللفظ وهو الإعلام ولو لم يقدر لكان تكليفا بالمجهول.
ومنها: أن الاستثناء للتأبيد نظير قوله:"خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ": هود: 108 والمعنى: لا تقولن ذلك أبدا.
وفيه أنه مناف للآيات الكثيرة المنقولة آنفا التي تنسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى سائر الناس أعمالهم ماضية ومستقبلة بل تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينسب أعماله إلى نفسه كقوله:"فقل لي عملي ولكم عملكم": يونس: 41 ، وقوله:"قل سأتلوا عليكم منه ذكرا": الكهف: 83.
قوله تعالى:"و اذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا"اتصال الآية واشتراكها مع ما قبلها في سياق التكليف يقضي أن يكون المراد من النسيان نسيان الاستثناء ، وعليه يكون المراد من ذكر ربه ذكره بمقامه الذي كان الالتفات إليه هو الموجب للاستثناء وهو أنه القائم على كل نفس بما كسبت الذي ملكه الفعل وأقدره عليه وهو المالك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره.
والمعنى: إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت أنك نسيته فاذكر ربك متى كان ذلك بما لو كنت ذاكرا لذكرته به وهو تسليم الملك والقدرة إليه وتقييد الأفعال بإذنه ومشيته.
وإذ كان الأمر بالذكر مطلقا لم يتعين في لفظ خاص فالمندوب إليه هو ذكره تعالى بشأنه الخاص سواء كان بلفظ الاستثناء بأن يلحقه بالكلام ، إن ذكره ولما يتم الكلام أو يعيد الكلام ويستثني أو يضمر الكلام ثم يستثني إن كان فصل قصير أو طويل كما ورد في بعض الروايات أنه لما نزلت الآيات قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن شاء الله أو كان الذكر باستغفار ونحوه.
ويظهر مما مر أن ما ذكره بعضهم أن الآية مستقلة عما قبلها وأن المراد بالنسيان نسيانه تعالى أو مطلق النسيان ، والمعنى: واذكر ربك إذا نسيته ثم ذكرته أو واذكر ربك إذا نسيت شيئا من الأشياء ، وكذا ما ذكره بعضهم بناء على الوجه السابق أن المراد بذكره تعالى خصوص الاستثناء وإن طال الفصل أو خصوص الاستغفار أو الندم على التفريط ، كل ذلك وجوه غير سديدة.
وقوله:"و قل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا"حديث الاتصال والاشتراك في سياق التكليف بين جمل الآية يقضي هنا أيضا أن تكون الإشارة بقوله:"هذا"إلى الذكر بعد النسيان ، والمعنى وارج أن يهديك ربك إلى أمر هو أقرب رشدا من النسيان ثم الذكر وهو الذكر الدائم من غير نسيان فيكون من قبيل الآيات الداعية له (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى دوام الذكر كقوله تعالى:"و اذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين": الأعراف: 205 وذكر الشيء كلما نسي ثم ذكر والتحفظ عليه كرة بعد كرة من أسباب دوام ذكره.
ومن العجيب أن المفسرين أخذوا قوله:"هذا"في الآية إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف وذكروا أن معنى الآية: قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات الدالة على نبوتي ما هو أقرب إرشادا للناس من نبإ أصحاب الكهف ، وهو كما ترى.
وأعجب منه ما عن بعض أن هذا إشارة إلى المنسي وأن معنى الآية: ادع الله إذا نسيت شيئا أن يذكرك إياه وقل إن لم يذكرك ما نسيته عسى أن يهديني ربي لشيء هو أقرب خيرا ومنفعة من المنسي.