فهرس الكتاب

الصفحة 2745 من 4314

و أعجب منه ما عن بعض آخر أن قوله:"و قل عسى أن يهدين"إلخ عطف تفسيري لقوله:"و اذكر ربك إذا نسيت"والمعنى إذا وقع منك النسيان فتب إلى ربك وتوبتك أن تقول: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ، ويمكن أن يجعل الوجهان الثاني والثالث وجها واحدا وبناؤهما على أي حال على كون المراد بقوله:"إذا نسيت"مطلق النسيان ، وقد عرفت ما فيه.

قوله تعالى:"و لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا"بيان لمدة لبثهم في الكهف على حال النوم فإن هذا اللبث هو متعلق العناية في آيات القصة وقد أشير إلى إجمال مدة اللبث بقوله في أول الآيات:"فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا".

ويؤيده تعقيبه بقوله في الآية التالية:"قل الله أعلم بما لبثوا"ثم قوله:"و اتل ما أوحي إليك"إلخ ثم قوله:"و قل الحق من ربكم"ولم يذكر عددا غير هذا فقوله:"قل الله أعلم بما لبثوا"بعد ذكر مدة اللبث كقوله:"قل ربي أعلم بعدتهم"يلوح إلى صحة العدد المذكور.

فلا يصغى إلى قول القائل إن قوله:"و لبثوا في كهفهم"إلخ محكي قول أهل الكتاب وقوله:"قل الله أعلم بما لبثوا"رد له ، وكذا قول القائل إن قوله:"و لبثوا"إلخ قول الله تعالى وقوله:"و ازدادوا تسعا"إشارة إلى قول أهل الكتاب والضمير لهم والمعنى أن أهل الكتاب زادوا على العدد الواقعي تسع سنين ثم قوله:"قل الله أعلم بما لبثوا"رد له.

على أن المنقول عنهم أنهم قالوا بلبثهم مائتي سنة أو أقل لا ثلاثمائة وتسعة ولا ثلاثمائة.

وقوله:"سنين"ليس بمميز للعدد وإلا لقيل: ثلاثمائة سنة بل هو بدل من ثلاثمائة كما قالوا ، وفي الكلام مضاهاة لقوله فيما أجمل في صدر الآيات:"سنين عددا".

ولعل النكتة في تبديل"سنة"من"سنين"استكثار مدة اللبث ، وعلى هذا فقوله:"و ازدادوا تسعا"لا يخلو من معنى الإضراب كأنه قيل: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة هذه السنين المتمادية والدهر الطويل بل ازدادوا تسعا ، ولا ينافي هذا ما تقدم في قوله:"سنين عددا"إن هذا لاستقلال عدد السنين واستحقاره لأن المقامين مختلفان بحسب الغرض فإن الغرض هناك كان متعلقا بنفي العجب من آية الكهف بقياسها إلى آية جعل ما على الأرض زينة لها فالأنسب به استحقار المدة ، والغرض هاهنا بيان كون اللبث آية من آياته وحجة على منكري البعث والأنسب به استكثار المدة ، والمدة بالنسبتين تحتمل الوصفين فهي بالنسبة إليه تعالى شيء هين وبالنسبة إلينا دهر طويل.

وإضافة تسع سنين إلى ثلاثمائة سنة مدة اللبث تعطي أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية فإن التفاوت في ثلاثمائة سنة إذا أخذت تارة شمسية وأخرى قمرية بالغ هذا المقدار تقريبا ولا ينبغي الارتياب في أن المراد بالسنين في الآية السنون القمرية لأن السنة في عرف القرآن هي القمرية المؤلفة من الشهور الهلالية وهي المعتبرة في الشريعة الإسلامية.

وفي التفسير الكبير ، شدد النكير على ذلك لعدم تطابق العددين تحقيقا وناقش في ما روي عن علي (عليه السلام) في هذا المعنى مع أن الفرق بين العددين الثلاثمائة شمسية والثلاثمائة وتسع سنين قمرية أقل من ثلاثة أشهر والتقريب في أمثال هذه النسب ذائع في الكلام بلا كلام.

قوله تعالى:"قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض"إلى آخر الآية مضي في حديث أصحاب الكهف بالإشارة إلى خلاف الناس في ذلك وأن ما قصه الله تعالى من قصتهم هو الحق الذي لا ريب فيه.

فقوله:"قل الله أعلم بما لبثوا"مشعر بأن مدة لبثهم المذكورة في الآية السابقة لم تكن مسلمة عند الناس فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحتج في ذلك بعلم الله وأنه أعلم بهم من غيره.

وقوله:"له غيب السماوات والأرض"تعليل لكونه تعالى أعلم بما لبثوا ، واللام للاختصاص الملكي والمراد أنه تعالى وحده يملك ما في السماوات والأرض من غيب غير مشهود فلا يفوته شيء وإن فات السماوات والأرض ، وإذ كان مالكا للغيب بحقيقة معنى الملك وله كمال البصر والسمع فهو أعلم بلبثهم الذي هو من الغيب.

وعلى هذا فقوله:"أبصر به وأسمع"- وهما من صيغ التعجب معناهما كمال بصره وسمعه - لتتميم التعليل كأنه قيل: وكيف لا يكون أعلم بلبثهم وهو يملكهم على كونهم من الغيب وقد رأى حالهم وسمع مقالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت