و من ذلك ما في بعض الروايات أنهم أظهروا المخالفة وعلم بها الملك قبل الخروج وفي بعضها أنه لم يعلم إلا بعد خروجهم وفي بعضها أنهم تواطئوا على الخروج فخرجوا وفي بعضها أنهم خرجوا على غير معرفة من بعضهم لحال بعض وعلى غير ميعاد ثم تعارفوا واتفقوا في الصحراء وفي بعضها أن راعي غنم لحق بهم وهو سابعهم وفي بعضها أنه لم يتبعهم وتبعهم كلبه وسار معهم.
ومن ذلك ما في بعض الروايات أنهم لما هربوا واطلع الملك على أمرهم افتقدهم ولم يحصل منهم على أثر ، وفي بعضها أنه فحص عنهم فوجدهم نياما في كهفهم فأمر أن يبنى على باب الكهف بنيان ليحتبسوا فيموتوا جوعا وعطشا جزاء لعصيانهم فبقوا على هذه الحال حتى إذا أراد الله أن ينبههم بعث راعي غنم فخرب البنيان ليتخذ حظيرة لغنمه وعند ذلك بعثهم الله أيقاظا وكان من أمرهم ما قصه الله.
ومن ذلك ما في بعض الروايات أنه لما ظهر أمرهم أتاهم الملك ومعه الناس فدخل عليهم الكهف فكلمهم فبينا هو يكلمهم ويكلمونه إذ ودعوه وسلموا عليه وقضوا نحبهم ، وفي بعضها أنهم ماتوا أو ناموا قبل أن يدخل الملك عليهم وسد باب الكهف وغاب عن أبصارهم فلم يهتدوا للدخول فبنوا هناك مسجدا يصلون فيه.
ومن ذلك ما في بعض الروايات أنهم قبضت أرواحهم ، وفي بعضها أن الله أرقدهم ثانيا فهم نيام إلى يوم القيامة ، ويقلبهم كل عام مرتين من اليمين إلى الشمال وبالعكس.
ومن ذلك اختلاف الروايات في مدة لبثهم ففي أكثرها أن الثلاثمائة وتسع سنين المذكور في الآية قول الله تعالى ، وفي بعضها أنه محكي قول أهل الكتاب ، وقوله تعالى:"قل الله أعلم بما لبثوا"رد له ، وفي بعضها أن الثلاثمائة قوله سبحانه وزيادة التسع قول أهل الكتاب.
إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف بين الروايات ، وقد جمعت أكثرها من طرق أهل السنة في الدر المنثور ، ومن طرق الشيعة في البحار ، وتفسيري البرهان ، ونور - الثقلين ، من أراد الاطلاع عليها فليراجعها ، والذي يمكن أن تعد الروايات متفقة أو كالمتفقة عليه أنهم كانوا قوما موحدين هربوا من ملك جبار كان يجبر الناس على الشرك فأووا إلى الكهف فناموا إلى آخر ما قصه الله تعالى.
وفي تفسير العياشي ، عن سليمان بن جعفر الهمداني قال: قال لي جعفر بن محمد (عليهما السلام) يا سليمان من الفتى؟ فقلت له؟ جعلت فداك الفتى عندنا الشاب. قال لي: أ ما علمت أن أصحاب الكهف كانوا كلهم كهولا فسماهم الله فتية بإيمانهم يا سليمان من آمن بالله واتقى فهو الفتى.
أقول: وروي ما في معناه في الكافي ، عن القمي مرفوعا عن الصادق (عليه السلام) ، وقد روي عن 1 ابن عباس أنهم كانوا شبانا.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال: كان أصحاب الكهف صيارفة.
أقول: وروى القمي أيضا بإسناده عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أصحاب الكهف صيارفة: لكن في تفسير العياشي ، عن درست عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أنه ذكر أصحاب الكهف فقال: كانوا صيارفة كلام ولم يكونوا صيارفة دراهم.
وفي تفسير العياشي ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الكفر فآجرهم الله مرتين.
أقول: وروي في الكافي ، ما في معناه عن هشام بن سالم عنه (عليه السلام) وروى ما في معناه العياشي عن الكاهلي عنه (عليه السلام) وعن درست في خبرين عنه (عليه السلام) وفي أحد الخبرين: أنهم كانوا ليشدون الزنانير ويشهدون الأعياد.
ولا يرد عليه أن ظاهر قوله تعالى حكاية عنهم:"إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها"الآية أنهم كانوا لا يرون التقية كما احتمله المفسرون في تفسير قوله تعالى حكاية عنهم:"أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا"الآية وقد تقدم.
وذلك لأنك عرفت أن خروجهم من المدينة كان هجرة من دار الشرك التي كانت تحرمهم إظهار كلمة الحق والتدين بدين التوحيد غير أن تواطيهم على الخروج وهم ستة من المعاريف وأهل الشرف وإعراضهم عن الأهل والمال والوطن لم يكن لذلك عنوان إلا المخالفة لدين الوثنية فقد كانوا على خطر عظيم لو ظهر عليهم القوم ولم ينته أمرهم إلا إلى أحد أمرين الرجم أو الدخول في ملة القوم.