فهرس الكتاب

الصفحة 2758 من 4314

و وجه الشيء ما يواجهك ويستقبلك به ، والأصل في معناه الوجه بمعنى الجارحة ، ووجهه تعالى أسماؤه الحسنى وصفاته العليا التي بها يتوجه إليه المتوجهون ويدعوه الداعون ويعبده العابدون قال تعالى:"و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها": الأعراف: 180 ، وأما الذات المتعالية فلا سبيل إليها ، وإنما يقصده القاصدون ويريده المريدون لأنه إله رب علي عظيم ذو رحمة ورضوان إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.

والداعي لله المريد وجهه إن أراد صفاته تعالى الفعلية كرحمته ورضاه وإنعامه وفضله فإنما يريد أن تشمله وتغمره فيتلبس بها نوع تلبس فيكون مرحوما ومرضيا عنه ومنعما بنعمته ، وإن أراد صفاته غير الفعلية كعلمه وقدرته وكبريائه وعظمته فإنما يريد أن يتقرب إليه تعالى بهذه الصفات العليا ، وإن شئت فقل: يريد أن يضع نفسه موضعا تقتضيه الصفة الإلهية كأن يقف موقف الذلة والحقارة قبال عزته وكبريائه وعظمته تعالى ، ويقف موقف الجاهل العاجز الضعيف تجاه علمه وقدرته وقوته تعالى وهكذا فافهم ذلك.

وبذلك يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالوجه هو الرضى والطاعة المرضية مجازا لأن من رضي عن شخص أقبل عليه ومن غضب يعرض عنه ، وكذا قول بعضهم: المراد بالوجه الذات والكلام على حذف مضاف ، وكذا قول بعضهم: المراد بالوجه التوجه والمعنى يريدون التوجه إليه والزلفى لديه هذا.

والمراد بدعائهم ربهم بالغداة والعشي الاستمرار على الدعاء والجري عليه دائما لأن الدوام يتحقق بتكرر غداة بعد عشي وعشي بعد غداة على الحس فالكلام جار على الكناية.

وقيل: المراد بدعاء الغداة والعشي صلاة طرفي النهار وقيل: الفرائض اليومية وهو كما ترى.

وقوله تعالى:"و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا"أصل معنى العدو كما صرح به الراغب التجاوز وهو المعنى الساري في جميع مشتقاته وموارد استعمالاته قال في القاموس ،: يقال: عدا الأمر وعنه جاوزه وتركه انتهى فمعنى"لا تعد عيناك عنهم"لا تجاوزهم ولا تتركهم عيناك والحال أنك تريد زينة الحياة الدنيا.

لكن ذكر بعضهم أن المجاوزة لا تتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو ، ولذا قال الزمخشري في الكشاف ،: إن قوله:"لا تعد عيناك عنهم"بتضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به ، ولو لا ذلك لكان من الواجب أن يقال: ولا تعدهم عيناك.

وقوله تعالى:"و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا"المراد بإغفال قلبه تسليط الغفلة عليه وإنساؤه ذكر الله سبحانه على سبيل المجازاة حيث إنهم عاندوا الحق فأضلهم الله بإغفالهم عن ذكره فإن كلامه تعالى في قوم هذه حالهم نظير ما سيأتي في ذيل الآيات من قوله:"إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا".

فلا مساغ لقول من قال: إن الآية من أدلة جبره تعالى على الكفر والمعصية وذلك لأن الإلجاء مجازاة لا ينافي الاختيار والذي ينافيه هو الإلجاء ابتداء ومورد الآية من القبيل الأول.

ولا حاجة إلى تكلف التأويل كقول من قال إن المراد بقوله:"أغفلنا قلبه"عرضناه للغفلة أو أن المعنى صادفناه غافلا أو أريد به نسبناه إلى الغفلة أو أن الإغفال بمعنى جعله غفلا لا سمة له ولا علامة والمراد جعلنا قلبه غفلا لم نسمه بسمة قلوب المؤمنين ولم نعلم فيه علامة المؤمنين لتعرفه الملائكة بتلك السمة.

فالجميع كما ترى.

وقوله تعالى:"و اتبع هواه وكان أمره فرطا"قال في المجمع ،: الفرط التجاوز للحق والخروج عنه من قولهم: أفرط إفراطا إذا أسرف انتهى ، واتباع الهوى والإفراط من آثار غفلة القلب ، ولذلك كان عطف الجملتين على قوله:"أغفلنا"بمنزلة عطف التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت