فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 4314

و في عدة الداعي ، أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قال الله: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض من دونه فإن سألني لم أعطه وإن دعاني لم أجبه ، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السماوات والأرض رزقه ، فإن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن استغفرني غفرت له.

أقول: وما اشتمل عليه الحديثان هو الإخلاص في الدعاء وليس إبطالا لسببية الأسباب الوجودية التي جعلها الله تعالى وسائل متوسطة بين الأشياء وبين حوائجها الوجودية لا عللا فياضة مستقلة دون الله سبحانه ، وللإنسان شعور باطني بذلك فإنه يشعر بفطرته أن لحاجته سببا معطيا لا يتخلف عنه فعله ، ويشعر أيضا أن كل ما يتوجه إليه من الأسباب الظاهرية يمكن أن يتخلف عنه أثره فهو يشعر بأن المبدأ الذي يبتدىء عنه كل أمر ، والركن الذي يعتمد عليه ويركن إليه كل حاجة في تحققها ووجودها غير هذه الأسباب ولازم ذلك أن لا يركن الركون التام إلى شيء من هذه الأسباب بحيث ينقطع عن السبب الحقيقي ويعتصم بذلك السبب الظاهري ، والإنسان ينتقل إلى هذه الحقيقة بأدنى توجه والتفات فإذا سأل أو طلب شيئا من حوائجه فوقع ما طلبه كشف ذلك أنه سأل ربه واتصل حاجته ، التي شعر بها بشعوره الباطني من طريق الأسباب إلى ربه فاستفاض منه ، وإذا طلب ذلك من سبب من الأسباب فليس ذلك من شعور فطري باطني وإنما هو أمر صوره له تخيله لعلل أوجبت هذا التخيل من غير شعور باطني بالحاجة ، وهذا من الموارد التي يخالف فيها الباطن الظاهر.

ونظير ذلك: أن الإنسان كثيرا ما يحب شيئا ويهتم به حتى إذا وقع وجده ضارا بما هو أنفع منه وأهم وأحب فترك الأول وأخذ بالثاني ، وربما هرب من شيء حتى إذا صادفه وجده أنفع وخيرا مما كان يتحفظ به فأخذ الأول وترك الثاني ، فالصبي المريض إذا عرض عليه الدواء المر امتنع من شربه وأخذ بالبكاء وهو يريد الصحة ، فهو بشعوره الباطني الفطري يسأل الصحة فيسأل الدواء وإن كان بلسان قوله أو فعله يسأل خلافه ، فللإنسان في حياته نظام بحسب الفهم الفطري والشعور الباطني وله نظام آخر بحسب تخيله والنظام الفطري لا يقع فيه خطاء ولا في سيره خبط ، وأما النظام التخيلي فكثيرا ما يقع فيه الخطاء والسهو ، فربما سأل الإنسان أو طلب بحسب الصورة الخيالية شيئا ، وهو بهذا السؤال بعينه يسأل شيئا آخر أو خلافه ، فعلى هذا ينبغي أن يقرر معنى الأحاديث ، وهو اللائح من قول علي (عليه السلام) فيما سيأتي: أن العطية على قدر النية الحديث.

وفي عدة الداعي ، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. وفي الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي ، فلا يظن بي إلا خيرا. أقول: وذلك أن الدعاء مع اليأس أو التردد يكشف عن عدم السؤال في الحقيقة كما مر ، وقد ورد المنع عن الدعاء بما لا يكون.

وفي العدة ، أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجئوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه وادعوه ، فإن الدعاء مخ العبادة ، وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب فإما أن يعجله له في الدنيا أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر له من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بمأثم. وفي نهج البلاغة ،: في وصية له (عليه السلام) لابنه الحسين (عليه السلام) : ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمه واستمطرت شئابيب رحمته ، فلا يقنطنك إبطاء إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الأمل ، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفي عنك وباله ، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له. أقول: قوله: فإن العطية على قدر النية يريد (عليه السلام) به: أن الاستجابة تطابق الدعوة فما سأله السائل منه تعالى على حسب ما عقد عليه حقيقة ضميره وحمله ظهر قلبه هو الذي يؤتاه ، لا ما كشف عنه قوله وأظهره لفظه ، فإن اللفظ ربما لا يطابق المعنى المطلوب كل المطابقة كما مر بيانه فهي أحسن جملة وأجمع كلمة لبيان الارتباط بين المسألة والإجابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت