و قد بين (عليه السلام) بها عدة من الموارد التي يتراءى فيها تخلف الاستجابة عن الدعوة ظاهرا كالإبطاء في الإجابة ، وتبديل المسئول عنه في الدنيا بما هو خير منه في الدنيا ، أو بما هو خير منه في الآخرة ، أو صرفه إلى شيء آخر أصلح منه بحال السائل ، فإن السائل ربما يسأل النعمة الهنيئة ولو أوتيها على الفور لم تكن هنيئة وعلى الرغبة فتبطىء إجابتها لأن السائل سأل النعمة الهنيئة فقد سأل الإجابة على بطء ، وكذلك المؤمن المهتم بأمر دينه لو سأل ما فيه هلاك دينه وهو لا يعلم بذلك ويزعم أن فيه سعادته وإنما سعادته في آخرته فقد سأل في الحقيقة لآخرته لا دنياه فيستجاب لذلك فيها لا في الدنيا.
وفي عدة الداعي ، عن الباقر (عليه السلام) : ما بسط عبد يده إلى الله عز وجل إلا استحيى الله أن يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضله ورحمته ما يشاء ، فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يمسح بها على رأسه ووجهه ، وفي خبر آخر: على وجهه وصدره.
أقول: وقد روي في الدر المنثور ، ما يقرب من هذا المعنى عن عدة من الصحابة كسلمان ، وجابر ، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، وابن أبي مغيث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثماني روايات ، وفي جميعها رفع اليدين في الدعاء فلا معنى لإنكار بعضهم رفع اليدين بالدعاء معللا بأنه من التجسم إذ رفع اليدين إلى السماء إيماء إلى أنه تعالى فيها - تعالى عن ذلك وتقدس -.
وهو قول فاسد ، فإن حقيقة جميع العبادات البدنية هي تنزيل المعنى القلبي والتوجه الباطني إلى موطن الصورة ، وإظهار الحقائق المتعالية عن المادة في قالب التجسم ، كما هو ظاهر في الصلاة والصوم والحج وغير ذلك وأجزائها وشرائطها ، ولو لا ذلك لم يستقم أمر العبادة البدنية ، ومنها الدعاء ، وهو تمثيل التوجه القلبي والمسألة الباطنية بمثل السؤال الذي نعهده فيما بيننا من سؤال الفقير المسكين الداني من الغني المتعزز العالي حيث يرفع يديه بالبسط ، ويسأل حاجته بالذلة والضراعة ، وقد روى الشيخ في المجالس والأخبار مسندا عن محمد وزيد ابني علي بن الحسين عن أبيهما عن جدهما الحسين (عليهم السلام) عن النبي ، وفي عدة الداعي ، مرسلا: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين. وفي البحار ، عن علي (عليه السلام) : أنه سمع رجلا يقول اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ، قال (عليه السلام) : أراك تتعوذ من مالك وولدك ، يقول الله تعالى:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة"ولكن قل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن.
أقول: وهذا باب آخر في تشخيص معنى اللفظ وله نظائر في الروايات ، وفيها: أن الحق في معنى كل لفظ هو الذي ورد منه في كلامه ، ومن هذا الباب ما ورد في الروايات في تفسير معنى الجزء والكثير وغير ذلك.
وفي عدة الداعي ، عن الصادق (عليه السلام) : أن الله لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه. وفي العدة ، أيضا عن علي (عليه السلام) : لا يقبل الله دعاء قلب لاه. أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر ، والسر فيه عدم تحقق حقيقة الدعاء والمسألة في السهو واللهو.
وفي دعوات الراوندي ،: في التوراة يقول الله عز وجل للعبد: إنك متى ظلمت تدعوني على عبد من عبيدي من أجل أنه ظلمك فلك من عبيدي من يدعو عليك من أجل أنك ظلمته فإن شئت أجبتك وأجبته فيك ، وإن شئت أخرتكما إلى يوم القيامة.
أقول: وذلك أن من سأل شيئا لنفسه فقد رضي به ورضي بعين هذا الرضا بكل ما يماثله من جميع الجهات ، فإذا دعا على من ظلمه بالانتقام فقد دعا عليه لأجل ظلمه فهو راض بالانتقام من الظالم ، وإذا كان هو نفسه ظالما لغيره فقد دعا على نفسه بعين ما دعا لنفسه فإن رضي بالانتقام عن نفسه ولن يرضى أبدا عوقب بما يريده على غيره ، وإن لم يرض بذلك لم يتحقق منه الدعاء حقيقة ، قال تعالى:"و يدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا": الإسراء - 11.