و في عدة الداعي ،: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر: يا أبا ذر أ لا أعلمك كلمات ينفعك الله عز وجل بهن؟ قلت بلى يا رسول الله ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : احفظ الله يحفظك الله ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، ولو أن الخلق كلهم جهدوا على أن ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا عليه.
أقول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة: يعني ادع الله في الرخاء ولا تنسه حتى يستجيب دعاءك في الشدة ولا ينساك ، وذلك أن من نسي ربه في الرخاء فقد أذعن باستقلال الأسباب في الرخاء ، ثم إذا دعا ربه في الشدة كان معنى عمله أنه يذعن بالربوبية في حال الشدة وعلى تقديرها ، وليس تعالى على هذه الصفة بل هو رب في كل حال وعلى جميع التقادير ، فهو لم يدع ربه ، وقد ورد هذا المعنى في بعض الروايات بلسان آخر ، ففي مكارم الأخلاق ، عن الصادق (عليه السلام) : قال (عليه السلام) : من تقدم في الدعاء استجيب له إذا نزل البلاء ، وقيل: صوت معروف ، ولم يحجب عن السماء ، ومن لم يتقدم في الدعاء لم يستجب له إذا نزل البلاء وقالت الملائكة: إن ذا الصوت لا نعرفه الحديث ، وهو المستفاد من إطلاق قوله تعالى:"نسوا الله فنسيهم:"التوبة - 67 ، ولا ينافي هذا ما ورد أن الدعاء لا يرد مع الانقطاع ، فإن مطلق الشدة غير الانقطاع التام.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ، إرشاد إلى التعلق بالله في السؤال والاستعانة بحسب الحقيقة فإن هذه الأسباب العادية التي بين أيدينا إنما سببيتها محدودة على ما قدر الله لها من الحد لا على ما يتراءى من استقلالها في التأثير بل ليس لها إلا الطريقية والوساطة في الإيصال ، والأمر بيد الله تعالى ، فإذن الواجب على العبد أن يتوجه في حوائجه إلى جناب العزة وباب الكبرياء ولا يركن إلى سبب بعد سبب ، وإن كان أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها وهذه دعوة إلى عدم الاعتماد على الأسباب إلا بالله الذي أفاض عليها السببية لا أنها هداية إلى إلغاء الأسباب والطلب من غير السبب فهو طمع فيما لا مطمع فيه ، كيف والداعي يريد ما يسأله بالقلب ، ويسأل ما يريده باللسان ويستعين على ذلك بأركان وجوده وكل ذلك أسباب؟.
واعتبر ذلك بالإنسان حيث يفعل ما يفعل بأدواته البدنية فيعطي ما يعطي بيده ويرى ما يرى ببصره ويسمع ما يسمع بأذنه فمن يسأل ربه بإلغاء الأسباب كان كمن سأل الإنسان أن يناوله شيئا من غير يد أو ينظر إليه من غير عين أو يستمع من غير أذن ، ومن ركن إلى سبب من دون الله سبحانه وتعالى كان كمن تعلق قلبه بيد الإنسان في إعطائه أو بعينه في نظرها أو بأذنه في سمعها وهو غافل معرض عن الإنسان الفاعل بذلك في الحقيقة فهو غافل مغفل ، وليس ذلك تقييدا للقدرة الإلهية غير المتناهية ولا سلبا للاختيار الواجبي ، كما أن الانحصار الذي ذكرناه في الإنسان لا يوجب سلب القدرة والاختيار عنه ، لكون التحديد راجعا بالحقيقة إلى الفعل لا إلى الفاعل ، إذ من الضروري أن الإنسان قادر على المناولة والرؤية والسمع لكن المناولة لا يكون إلا باليد ، والرؤية والسمع هما اللذان يكونان بالعين والأذن لا مطلقا ، كذلك الواجب تعالى قادر على الإطلاق غير أن خصوصية الفعل يتوقف على توسط الأسباب فزيد مثلا وهو فعل لله هو الإنسان الذي ولده فلان وفلانة في زمان كذا ومكان كذا وعند وجود شرائط كذا وارتفاع موانع كذا ، لو تخلف واحد من هذه العلل والشرائط لم يكن هو هو ، فهو في إيجاده يتوقف على تحقق جميعها ، والمتوقف هو الفعل دون الفاعل فافهم ذلك.