فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 4314

و قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، تفريع على قوله: وإذا سألت فاسأل الله ، من قبيل تعقيب المعلول بالعلة فهو بيان علة قوله: وإذا سألت ، وسببه ، والمعنى أن الحوادث مكتوبة مقدرة من عند الله تعالى لا تأثير لسبب من الأسباب فيها حقيقة ، فلا تسأل غيره تعالى ولا تستعن بغيره تعالى ، وأما هو تعالى: فسلطانه دائم وملكه ثابت ومشيته نافذة وكل يوم هو في شأن ، ولذلك عقب الجملة بقوله: ولو أن الخلق كلهم جهدوا إلخ.

ومن أخبار الدعاء ما ورد عنهم مستفيضا: أن الدعاء من القدر.

أقول: وفيه جواب ما استشكله اليهود وغيرهم على الدعاء: أن الحاجة المدعو لها إما أن تكون مقضية مقدرة أو لا ، وهي على الأول واجبة وعلى الثاني ممتنعة ، وعلى أي حال لا معنى لتأثير الدعاء ، والجواب: أن فرض تقدير وجود الشيء لا يوجب استغناءه عن أسباب وجوده ، والدعاء من أسباب وجود الشيء فمع الدعاء يتحقق سبب من أسباب الوجود فيتحقق المسبب عن سببه ، وهذا هو المراد بقولهم: إن الدعاء من القدر ، وفي هذا المعنى روايات أخر.

ففي البحار ، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يرد القضاء إلا الدعاء. وعن الصادق (عليه السلام) : الدعاء يرد القضاء بعد ما أبرم إبراما. وعن أبي الحسن موسى (عليه السلام) : عليكم بالدعاء فإن الدعاء والطلب إلى الله عز وجل يرد البلاء ، وقد قدر وقضى فلم يبق إلا إمضاؤه فإذا دعي الله وسئل صرف البلاء صرفا. وعن الصادق (عليه السلام) : أن الدعاء يرد القضاء المبرم وقد أبرم إبراما فأكثر من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة ونجاح كل حاجة ولا ينال ما عند الله إلا بالدعاء فإنه ليس من باب يكثر قرعه إلا أوشك أن يفتح لصاحبه. أقول: وفيها إشارة إلى الإصرار وهو من محققات الدعاء ، فإن كثرة الإتيان بالقصد يوجب صفاءه.

وعن إسماعيل بن همام عن أبي الحسن (عليه السلام) : دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية.

أقول: وفيها إشارة إلى إخفاء الدعاء وإسراره فإنه أحفظ لإخلاص الطلب.

وفي المكارم ، عن الصادق (عليه السلام) : لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلى على محمد وآل محمد.

وعن الصادق (عليه السلام) أيضا: ، من قدم أربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له.

وعن الصادق (عليه السلام) أيضا: وقد قال له رجل من أصحابه إني لأجد آيتين في كتاب الله أطلبهما فلا أجدهما قال: فقال: وما هما قلت: ادعوني أستجب لكم فندعوه فلا نرى إجابة ، قال أ فترى الله أخلف وعده؟ قلت: لا ، قال فمه؟ قلت: لا أدري قال: لكني أخبرك من أطاع الله فيما أمر به ثم دعاه من جهة الدعاء أجابه ، قلت: وما جهة الدعاء؟ قال: تبدأ فتحمد الله وتمجده وتذكر نعمه عليك فتشكره ثم تصلي على محمد وآله ثم تذكر ذنوبك فتقر بها ، ثم تستغفر منها فهذه جهة الدعاء ، ثم قال: وما الآية الأخرى؟ قلت: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وأراني أنفق ولا أرى خلفا ، قال: أ فترى الله أخلف وعده؟ قلت: لا ، قال: فمه؟ قلت: لا أدري ، قال: لو أن أحدكم اكتسب المال من حله وأنفق في حقه لم ينفق درهما إلا أخلف الله عليه.

أقول: والوجه في هذه الأحاديث الواردة في آداب الدعاء ظاهرة فإنها تقرب العبد من حقيقة الدعاء والمسألة.

وفي الدر المنثور ، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن الله إذا أراد أن يستجيب لعبد أذن له في الدعاء.

وعن ابن عمر أيضا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة ، وفي رواية: من فتح له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الجنة.

أقول: وهذه المعنى مروي من طرق أئمة أهل البيت أيضا: من أعطي الدعاء أعطي الإجابة ، ومعناه واضح مما مر.

وفي الدر المنثور ، أيضا عن معاذ بن جبل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لو عرفتم الله حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت