فهرس الكتاب

الصفحة 2764 من 4314

و قوله:"أ كفرت بالذي خلقك"إلخ الاستفهام للإنكار ينكر عليه ما اشتمل عليه كلامه من الشرك بالله سبحانه بدعوى الاستقلال لنفسه وللأسباب والمسببات كما تقدمت الإشارة إليه ومن فروع شركه استبعاده قيام الساعة وتردده فيه.

وأما ما ذكره في الكشاف ، أنه جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه لشكه في البعث كما يكون المكذب بالرسول كافرا فغير سديد كيف؟ وهو يذكر في استدراكه نفي الشرك عن نفسه ، ولو كان كما قال لذكر فيه الإيمان بالمعاد.

فإن قلت: الآيات صريحة في شرك الرجل ، والمشركون ينكرون المعاد.

قلت لم يكن الرجل من المشركين بمعنى عبدة الأصنام وقد اعترف في خلال كلامه بما لا تجيزه أصول الوثنية فقد عبر عنه سبحانه بقوله:"ربي"ولا يراه الوثنيون ربا للإنسان ولا إلها معبودا وإنما هو عندهم رب الأرباب وإله الآلهة ، ولم ينف المعاد من أصله كما تقدمت الإشارة إليه بل تردد فيه واستبعده بالإعراض عن التفكر فيه ولو نفاه لقال: ولو رددت ولم يقل: ولئن رددت إلى ربي.

فما يذكر لأمره من الأثر السيىء في الآية إنما هو لشركه بمعنى نسيانه ربه ودعواه الاستقلال لنفسه وللأسباب الظاهرية ففيه عزله تعالى عن الربوبية وإلقاء زمام الملك والتدبير إلى غيره فهذا هو أصل الفساد الذي عليه ينشأ كل فرع فاسد سواء اعترف معه بلسانه بالتوحيد أو أنكره وأثبت الآلهة ، قال الزمخشري في قوله تعالى:"قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا"ونعم ما قال: وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه.

انتهى.

وقد أبطل هذا المؤمن دعوى صاحبه الكافر بقوله:"أ كفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا"بإلفات نظره إلى أصله وهو التراب ثم النطفة فإن ذلك هو أصل الإنسان فما زاد على ذلك حتى يصير الإنسان إنسانا سويا ذا صفات وآثار من موهبة الله محضا لا يملك أصله شيئا من ذلك ، ولا غيره من الأسباب الظاهرية الكونية فإنها أمثال الإنسان لا تملك شيئا من نفسها وآثار نفسها إلا بموهبة من الله سبحانه.

فما عند الإنسان وهو رجل سوي من الإنسانية وآثارها من علم وحياة وقدرة وتدبير يسخر بها الأسباب الكونية في سبيل الوصول إلى مقاصده ومآربه كل ذلك مملوكة لله محضا ، آتاها الإنسان وملكه إياها ولم يخرج بذلك عن ملك الله ولا انقطع عنه بل تلبس الإنسان منها بما تلبس فانتسب إليه بمشيته ولو لم يشأ لم يملك الإنسان شيئا من ذلك فليس للإنسان أن يستقل عنه تعالى في شيء من نفسه وآثار نفسه ولا لشيء من الأسباب الكونية ذلك.

يقول: إنك ذاك التراب ثم المني الذي ما كان يملك من الإنسانية والرجولية وآثار ذلك شيئا والله سبحانه هو الذي آتاكها بمشيته وملكها إياك وهو المالك لما ملكك فما لك تكفر به وتستر ربوبيته؟ وأين أنت والاستقلال؟.

قوله تعالى:"لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا"القراءة المشهورة"لكن"بفتح النون المشددة من غير ألف في الوصل وإثباتها وقفا.

وأصله على ما ذكروه"لكن أنا"حذفت الهمزة بعد نقل فتحتها إلى النون وأدغمت النون في النون فالوصل بنون مشددة مفتوحة من غير ألف والوقف بالألف كما في"أنا"ضمير التكلم.

وقد كرر في الآية لفظ"ربي"والثاني من وضع الظاهر موضع المضمر وحق السياق"و لا أشرك به أحدا"وذلك للإشارة إلى علة الحكم بتعليقه بالوصف كأنه قال: ولا أشرك به أحدا لأنه ربي ولا يجوز الإشراك به لربوبيته.

وهذا بيان حال من المؤمن قبال ما ادعاه الكافر لنفسه والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"و لو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله"من تتمة قول المؤمن لصاحبه الكافر ، وهو تحضيض وتوبيخ لصاحبه إذ قال لما دخل جنته:"ما أظن أن تبيد هذه أبدا"وكان عليه أن يبدله من قوله:"ما شاء الله لا قوة إلا بالله"فينسب الأمر كله إلى مشية الله ويقصر القوة فيه تعالى مبنيا على ما بينه له أن كل نعمة بمشية الله ولا قوة إلا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت