و كما كانت الآيات الخمس الأولى أعني قوله:"قال له صاحبه - إلى قوله - طلبا"بيانا قوليا لخطإ الرجل في كفره وشركه كذلك هاتان الآيتان أعني قوله:"و أحيط بثمره - إلى قوله - وما كان منتصرا"بيان فعلي له أما تعلقه بدوام الدنيا واستمرار زينتها في قوله:"ما أظن أن تبيد هذه أبدا"فقد جلى له الخطأ فيه حين أحيط بثمره فأصبحت جنته خاوية على عروشها ، وأما سكونه إلى الأسباب وركونه إليها وقد قال لصاحبه أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا"فبين خطاؤه فيه بقوله تعالى:"و لم تكن له فئة ينصرونه من دون الله"وأما دعوى استقلاله بنفسه وتبجحه بها فقد أشير إلى جهة بطلانها بقوله تعالى:"و ما كان منتصرا"."
قوله تعالى:"هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا"القراءة المشهورة"الولاية"بفتح الواو وقرىء بكسرها والمعنى واحد ، وذكر بعضهم أنها بفتح الواو بمعنى النصرة وبكسرها بمعنى السلطان ، ولم يثبت وكذا"الحق"بالجر ، والثواب مطلق التبعة والأجر وغلب في الأجر الحسن الجميل ، والعقب بالضم فالسكون وبضمتين: العاقبة.
ذكر المفسرون أن الإشارة بقوله:"هنالك"إلى معنى قوله:"أحيط بثمره"أي في ذلك الموضع أو في ذلك الوقت وهو موضع الإهلاك ووقته الولاية لله ، وأن الولاية بمعنى النصرة أي إن الله سبحانه هو الناصر للإنسان حين يحيط به البلاء وينقطع عن كافة الأسباب لا ناصر غيره.
وهذا معنى حق في نفسه لكنه لا يناسب الغرض المسوق له الآيات وهو بيان أن الأمر كله لله سبحانه وهو الخالق لكل شيء المدبر لكل أمر ، وليس لغيره إلا سراب الوهم وتزيين الحياة لغرض الابتلاء والامتحان ، ولو كان كما ذكروه لكان الأنسب توصيفه تعالى في قوله:"لله الحق"بالقوة والعزة والقدرة والغلبة ونحوها لا بمثل الحق الذي يقابل الباطل ، وأيضا لم يكن لقوله:"هو خير ثوابا وخير عقبا"وجه ظاهر وموقع جميل.
والحق والله أعلم أن الولاية بمعنى مالكية التدبير وهو المعنى الساري في جميع اشتقاقاتها كما مر في الكلام على قوله تعالى:"إنما وليكم الله ورسوله": المائدة: 55 أي عند إحاطة الهلاك وسقوط الأسباب عن التأثير وتبين عجز الإنسان الذي كان يرى لنفسه الاستقلال والاستغناء ولاية أمر الإنسان وكل شيء وملك تدبيره لله لأنه إله حق له التدبير والتأثير بحسب واقع الأمر وغيره من الأسباب الظاهرية المدعوة شركاء له في التدبير والتأثير باطل في نفسه لا يملك شيئا من الأثر إلا ما أذن الله له وملكه إياه وليس له من الاستقلال إلا اسمه بحسب ما توهمه الإنسان فهو باطل في نفسه حق بالله سبحانه والله هو الحق بذاته المستقل الغني في نفسه.
وإذا أخذ بالقياس بينه - تعالى عن القياس - وبين غيره من الأسباب المدعوة شركاء في التأثير كان الله سبحانه خيرا منها ثوابا فإنه يثيب من دان له ثوابا حقا وهي تثيب من دان لها وتعلق بها ثوابا باطلا زائلا لا يدوم وهو مع ذلك من الله وبإذنه ، وكان الله سبحانه خيرا منها عاقبة لأنه سبحانه هو الحق الثابت الذي لا يفنى ولا يزول ولا يتغير عما هو عليه من الجلال والإكرام ، وهي أمور فانية متغيرة جعلها الله زينة للحياة الدنيا يتوله إليها الإنسان وتتعلق بها قلبه حتى يبلغ الكتاب أجله وإن الله لجاعلها صعيدا جرزا.
وإذا كان الإنسان لا غنى له عن التعلق بشيء ينسب إليه التدبير ويتوقع منه إصلاح شأنه فربه خير له من غيره لأنه خير ثوابا وخير عقبا.
وذكر بعضهم أن الإشارة بقوله:"هنالك"إلى يوم القيامة فيكون المراد بالثواب والعقب ما في ذلك اليوم.
والسياق كما تعلم لا يساعد على شيء من ذلك.
قوله تعالى:"و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء"إلخ هذا هو المثل الثاني ضرب لتمثيل الحياة الدنيا بما يقارنها من الزينة السريعة الزوال.