فهرس الكتاب

الصفحة 2769 من 4314

قوله تعالى:"و عرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة"إلخ السياق يشهد على أن ضمير الجمع في قوله:"عرضوا"وكذا ضميرا الجمع في الآية السابقة للمشركين وهم الذين اطمأنوا إلى أنفسهم والأسباب الظاهرية التي ترتبط بها حياتهم ، وتعلقوا بزينة الحياة كالمتعلق بأمر دائم باق فكان ذلك انقطاعا منهم عن ربهم ، وإنكارا للرجوع إليه ، وعدم مبالاة بما يأتون به من الأعمال أرضى الله أم أسخطه.

وهذه حالهم ما دام أساس الامتحان الإلهي والزينة المعجلة بين أيديهم والأسباب الظاهرية حولهم ولما يقض الأمر أجله ثم إذا حان الحين وتقطعت الأسباب وطاحت الآمال وجعل الله ما عليها من زينة صعيدا جرزا لم يبق إذ ذاك لهم إلا ربهم وأنفسهم وصحيفة أعمالهم المحفوظة عليهم ، وعرضوا على ربهم - وليسوا يرونه ربا لهم وإلا لعبدوه - صفا واحدا لا تفاضل بينهم بنسب أو مال أو جاه دنيوي لفصل القضاء تبين لهم عند ذلك أن الله هو الحق المبين وأن ما يدعونه من دونه وتعلقت به قلوبهم من زينة الحياة واستقلال أنفسهم والأسباب المسخرة لهم ما كانت إلا أوهاما لا تغني عنهم من الله شيئا وقد أخطئوا إذ تعلقوا بها وأعرضوا عن سبيل ربهم ولم يجروا على ما أراده منهم بل كان ذلك منهم لأنهم توهموا أن لا موقف هناك يوقفون فيه فيحاسبون عليه.

وبهذا البيان يظهر أن هذا الجمل الأربع:"و عرضوا"إلخ"لقد جئتمونا"إلخ"بل زعمتم"إلخ"و وضع الكتاب"إلخ نكت أساسية مختارة من تفصيل ما يجري يومئذ بينهم وبين ربهم من حين يحشرون إلى أن يحاسبوا ، واكتفي بها إيجازا في الكلام لحصول الغرض بها.

فقوله:"و عرضوا على ربك صفا"إشارة أولا إلى أنهم ملجئون إلى الرجوع إلى ربهم ولقائه فيعرضون عليه عرضا من غير أن يختاروه لأنفسهم ، وثانيا أن لا كرامة لهم في هذا اللقاء ، ويشعر به قوله"على ربك"ولو أكرموا لقيل: ربهم كما قال:"جزاؤهم عند ربهم جنات عدن": البينة: 8:"و قال إنهم ملاقوا ربهم": هود: 29 ، أو قيل: عرضوا علينا جريا على سياق التكلم السابق ، وثالثا أن أنواع التفاضل والكرامات الدنيوية التي اختلقتها لهم الأوهام الدنيوية من نسب ومال وجاه قد طاحت عنهم فصفوا صفا واحدا لا تميز فيه لعال من دان ولا لغني من فقير ولا لمولى من عبد ، وإنما الميز اليوم بالعمل وعند ذلك يتبين لهم أنهم أخطئوا الصواب في حياتهم الدنيا وضلوا السبيل فيخاطبون بمثل قوله:"لقد جئتمونا"إلخ.

وقوله"لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة"مقول القول والتقدير وقال لهم أو قلنا لهم: لقد جئتمونا إلخ ، وفي هذا بيان خطإهم وضلالهم في الدنيا إذ تعلقوا بزينتها وزخرفها فشغلهم ذلك عن سلوك سبيل الله والأخذ بدينه.

وقوله"بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا"في معنى قوله:"أ فحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون": المؤمنون: 115 والجملة إن كانت إضرابا عن الجملة السابقة على ظاهر السياق فالتقدير ما في معنى قولنا: شغلتكم زينة الدنيا وتعلقكم بأنفسكم وبظاهر الأسباب عن عبادتنا وسلوك سبيلنا بل ظننتم أن لن نجعل لكم موعدا تلقوننا فيه فتحاسبوا وبتعبير آخر: إن اشتغالكم بالدنيا وتعلقكم بزينتها وإن كان سببا في الإعراض عن ذكرنا واقتراف الخطيئات لكن كان هناك سبب هو أقدم منه وهو الأصل وهو أنكم ظننتم أن لن نجعل لكم موعدا فنسيان المعاد هو الأصل في ترك الطريق وفساد العمل قال تعالى:"إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب": ص: 26.

والوجه في نسبة الظن بنفي المعاد إليهم أن انقطاعهم إلى الدنيا وتعلقهم بزينتها ومن يدعونه من دون الله فعل من ظن أنها دائمة باقية لهم وأنهم لا يرجعون إلى الله فهو ظن حالي عملي منهم ويمكن أن يكون كناية عن عدم اعتنائهم بأمر الله واستهانتهم بما أنذروا به نظير قوله تعالى:"و لكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون": حم السجدة: 22.

ومن الجائز أن يكون قوله:"بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا"إضرابا عن اعتذار لهم مقدر بالجهل ونحوه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت