فهرس الكتاب

الصفحة 2770 من 4314

قوله تعالى:"و وضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا"إلى آخر الآية وضع الكتاب نصبه ليحكم عليه ، ومشفقين من الشفقة وأصلها الرقة ، قال الراغب في المفردات ،: الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه قال تعالى:"و هم من الساعة مشفقون"فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر ، قال تعالى:"إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين""مشفقون منها"انتهى.

والويل الهلاك ، ونداؤه عند المصيبة - كما قيل - كناية عن كون المصيبة أشد من الهلاك فيستغاث بالهلاك لينجى من المصيبة كما ربما يتمنى الموت عند المصيبة قال تعالى:"يا ليتني مت قبل هذا": مريم: 23.

وقوله:"و وضع الكتاب"ظاهر السياق أنه كتاب واحد يوضع لحساب أعمال الجميع ولا ينافي ذلك وضع كتاب خاص بكل إنسان والآيات القرآنية دالة على أن لكل إنسان كتابا ولكل أمة كتابا وللكل كتابا قال تعالى:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا"الآية: إسراء: 13 وقد تقدم الكلام فيها ، وقال:"كل أمة تدعى إلى كتابها": الجاثية: 28 وقال:"هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق": الجاثية: 29 وسيجيء الكلام في الآيتين إن شاء الله تعالى.

وقيل: المراد بالكتاب كتب الأعمال واللام للاستغراق ، والسياق لا يساعد عليه.

وقوله:"فترى المجرمين مشفقين مما فيه"تفريع الجملة على وضع الكتاب وذكر إشفاقهم مما فيه دليل على كونه كتاب الأعمال أو كتابا فيه الأعمال ، وذكرهم بوصف الإجرام للإشارة إلى علة الحكم وأن إشفاقهم مما فيه لكونهم مجرمين فالحكم يعم كل مجرم وإن لم يكن مشركا.

وقوله:"و يقولون يا ويلتنا ما ل هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها"الصغيرة والكبيرة وصفان قامتا مقام موصوفهما وهو الخطيئة أو المعصية أو الهنة ونحوها.

وقولهم هذا إظهار للدهشة والفزع من سلطة الكتاب في إحصائه للذنوب أو لمطلق الحوادث ومنها الذنوب في صورة الاستفهام التعجيبي ، ومنه يعلم وجه تقديم الصغيرة على الكبيرة في قوله:"صغيرة ولا كبيرة"مع أن الظاهر أن يقال: لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها بناء على أن الكلام في معنى الإثبات وحق الترقي فيه أن يتدرج من الكبير إلى الصغير هذا ، وذلك لأن المراد - والله أعلم - لا يغادر صغيرة لصغرها ودقتها ولا كبيرة لكبرها ووضوحها ، والمقام مقام الاستفزاع في صورة التعجيب وإحصاء الصغيرة على صغرها ودقتها أقرب إليه من غيرها.

وقوله:"و وجدوا ما عملوا حاضرا"ظاهر السياق كون الجملة تأسيسا لا عطف تفسير لقوله:"لا يغادر صغيرة ولا كبيرة"إلخ وعليه فالحاضر عندهم نفس الأعمال بصورها المناسبة لها لا كتابتها كما هو ظاهر أمثال قوله:"يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7 ، ويؤيده قوله بعده:"و لا يظلم ربك أحدا"فإن انتفاء الظلم بناء على تجسم الأعمال أوضح لأن ما يجزون به إنما هو عملهم يرد إليهم ويلحق بهم لا صنع في ذلك لأحد فافهم ذلك.

قوله تعالى:"و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه"تذكير ثان لهم بما جرى بينه تعالى وبين إبليس حين أمر الملائكة بالسجود لأبيهم آدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن فتمرد عن أمر ربه.

أي واذكر هذه الواقعة حتى يظهر لهم أن إبليس - وهو من الجن - وذريته عدو لهم لا يريدون لهم الخير فلا ينبغي لهم أن يفتتنوا بما يزينه لهم هو وذريته من ملاذ الدنيا وشهواتها والإعراض عن ذكر الله ولا أن يطيعوهم فيما يدعونهم إليه من الباطل.

وقوله:"أ فتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو"تفريع على محصل الواقعة والاستفهام للإنكار أي ويتفرع على الواقعة أن لا تتخذوه وذريته أولياء والحال أنهم أعداء لكم معشر البشر ، وعلى هذا فالمراد بالولاية ولاية الطاعة حيث يطيعونه وذريته فيما يدعونهم فقد اتخذوهم مطاعين من دون الله ، وهكذا فسرها المفسرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت