فهرس الكتاب

الصفحة 2771 من 4314

و ليس من البعيد أن يكون المراد بالولاية ولاية الملك والتدبير وهو الربوبية فإن الوثنية كما يعبدون الملائكة طمعا في خيرهم كذلك يعبدون الجن اتقاء من شرهم ، وهو سبحانه يصرح بأن إبليس من الجن وله ذرية وأن ضلال الإنسان في صراط سعادته وما يلجمه من أنواع الشقاء إنما هو بإغواء الشيطان فالمعنى أ فتتخذونه وذريته آلهة وأربابا من دوني تعبدونهم وتتقربون إليهم وهم لكم عدو؟.

ويؤيده الآية التالية فإن عدم إشهادهم الخلقة إنما يناسب انتفاء ولاية التدبير عنهم لا انتفاء ولاية الطاعة وهو ظاهر.

وقد ختم الآية بتقبيح اتخاذهم إياهم أولياء من دون الله الذي معناه اتخاذهم إبليس بدلا منه سبحانه فقال:"بئس للظالمين بدلا"وما أقبح ذلك فلا يقدم عليه ذو مسكة ، وهو السر في الالتفات الذي في قوله:"من دوني"فلم يقل: من دوننا على سياق قوله:"و إذ قلنا"ليزيد في وضوح القبح كما أنه السر أيضا في الالتفات السابق في قوله:"عن أمر ربه"ولم يقل: عن أمرنا.

وللمفسرين هاهنا أبحاث في معنى شمول أمر الملائكة لإبليس ، وفي معنى كونه من الجن وفي معنى ، وقد قدمنا بعض القول في ذلك في تفسير سورة الأعراف.

قوله تعالى:"ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا"ظاهر السياق كون ضميري الجمع لإبليس وذريته والمراد بالإشهاد الإحضار والإعلام عيانا كما أن الشهود هو المعاينة حضورا ، والعضد ما بين المرفق والكتف من الإنسان ويستعار للمعين كاليد وهو المراد هاهنا.

وقد اشتملت الآية في نفي ولاية التدبير عن إبليس وذريته على حجتين إحداهما: أن ولاية تدبير أمور شيء من الأشياء تتوقف على الإحاطة العلمية - بتمام معنى الكلمة - بتلك الأمور من الجهة التي تدبر فيها وبما لذلك الشيء وتلك الأمور من الروابط الداخلية والخارجية بما يبتدىء منه وما يقارنه وما ينتهي إليه والارتباط الوجودي سار بين أجزاء الكون وهؤلاء وهم إبليس وذريته لم يشهدهم الله سبحانه خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فلا كانوا شاهدين إذ قال للسماوات والأرض: كن فكانت ولا إذ قال لهم: كونوا فكانوا فهم جاهلون بحقيقة السماوات والأرض وما في أوعية وجوداتها من أسرار الخلقة حتى بحقيقة صنع أنفسهم فكيف يسعهم أن يلوا تدبير أمرها أو تدبير أمر شطر منها فيكونوا آلهة وأربابا من دون الله وهم جاهلون بحقيقة خلقتها وخلقة أنفسهم.

وأما أنهم لم يشهدوا خلقها فلأن كلا منهم شيء محدود لا سبيل له إلى ما وراء نفسه فغيره في غيب منه مضروب عليه الحجاب ، وهذا بين وقد أنبأ الله سبحانه عنه في مواضع من كلامه وكذا كل منهم مستور عنه شأن الأسباب التي تسبق وجوده واللواحق التي ستلحق وجوده.

وهذه حجة برهانية غير جدلية عند من أجاد النظر وأمعن في التدبر حتى لا يختلط عنده هذه الألعوبة الكاذبة التي نسميها تدبيرا بالتدبير الكوني الذي لا يلحقه خطأ ولا ضلال ، وكذا الظنون والمزاعم الواهية التي نتداولها ونركن إليها بالعلم العياني الذي هو حقيقة العلم وكذا العلم بالأمور الغائبة بالظفر على أماراتها الأغلبية بالعلم بالغيب الذي يتبدل به الغيب شهادة.

والثانية أن كل نوع من أنواع المخلوقات متوجه بفطرته نحو كماله المختص بنوعه وهذا ضروري عند من تتبعها وأمعن النظر في حالها فالهداية الإلهية عامة للجميع كما قال:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 والشياطين أشرار مفسدون مضلون فتصديهم تدبير شيء من السماوات والأرض أو الإنسان - ولن يكون إلا بإذن من الله سبحانه - مؤد إلى نقضه السنة الإلهية من الهداية العامة أي توسله تعالى إلى الإصلاح بما ليس شأنه إلا الإفساد وإلى الهداية بما خاصته الإضلال وهو محال.

وهذا معنى قوله سبحانه:"و ما كنت متخذ المضلين عضدا"الظاهر في أن سنته تعالى أن لا يتخذ المضلين عضدا فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت