فهرس الكتاب

الصفحة 2772 من 4314

و في قوله:"ما أشهدتهم"وقوله:"و ما كنت"ولم يقل: ما شهدوا وما كانوا دلالة على أنه سبحانه هو القاهر المهيمن عليهم على كل حال ، والقائلون بإشراك الشياطين أو الملائكة أو غيرهم بالله في أمر التدبير لم يقولوا باستقلالهم في ذلك بل بأن أمر التدبير مملوك لهم بتمليك من الله تعالى مفوض إليهم بتفويض منه وأنهم أرباب وآلهة والله رب الأرباب وإله الآلهة.

وما تقدم من معنى الآية مبني على حمل الإشهاد على معناه الحقيقي وإرجاع الضميرين في"ما أشهدتهم"و"أنفسهم"إلى إبليس وذريته كما هو الظاهر المتبادر من السياق ، وللمفسرين أقوال أخر: .

منها قول بعضهم: إن المراد من الإشهاد في خلقها المشاورة مجازا فإن أدنى مراتب الولاية على شيء أن يشاوره في أمره ، والمراد بنفي الاعتضاد نفي سائر مراتب الاستعانة المؤدية إلى الولاية والسلطة على المولى عليه بوجه ما فكأنه قيل ما شاورتهم في أمر خلقها ولا استعنت بهم بشيء من أنواع الاستعانة فمن أين يكونون أولياء لهم؟.

وفيه أنه لا قرينة على هذا المجاز ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي على أنه لا رابطة بين الإشارة بالشيء والولاية عليه حتى تعد المشاورة من مراتب التولية أو الإشارة من درجات الولاية ، وقد وجه بعضهم هذا المعنى بأن المراد بالإشهاد المشاورة كناية ولازم المشاورة أن يخلق كما شاءوا أي أن يخلقهم كما أحبوا أي أن يخلقهم كاملين فالمراد بنفي إشهاد الشياطين خلق أنفسهم نفي أن يكونوا كاملين في الخلقة حتى يسع لهم ولاية تدبير الأمور.

وفيه مضافا إلى أنه يرد عليه ما أورد على سابقه أولا أن ذلك يرجع إلى إطلاق الشيء وإرادة لازمه بخمس مراتب من اللزوم فالمشاورة لازم الإشهاد على ما يدعيه وخلق ما يشاؤه المشير لازم المشاورة وخلق ما يحبه لازم خلق ما يشاؤه ، وكمال الخلقة لازم خلق ما يحبه ، وصحة الولاية لازم كمال الخلقة فإطلاق الإشهاد وإرادة كمال الخلقة أو صحة الولاية من قبيل التكنية عن لازم المعنى من وراء لزومات أربع أو خمس ، والكتاب المبين يجل عن أمثال هذه الألغازات.

وثانيا: أنه لو صح فإنما يصح في إشهادهم خلق أنفسهم دون إشهادهم خلق السماوات والأرض فلازمه التفكيك بين الإشهادين.

وثالثا: أن لازمه صحة ولاية من كان كاملا في خلقه كالملائكة المقربين ففيه اعتراف بإمكان ولايتهم وجواز ربوبيتهم والقرآن يدفع ذلك بأصرح البيان فأين الممكن المفتقر لذاته إلى الله سبحانه من الاستقلال في تدبير نفسه أو تدبير غيره؟ وأما نحو قوله تعالى:"فالمدبرات أمرا": النازعات: 5 فسيجيء توضيح معناه إن شاء الله.

ومنها قول بعضهم: إن المراد بالإشهاد حقيقة معناه والضميران للشياطين لكن المراد من إشهادهم خلق أنفسهم إشهاد بعضهم خلق بعض لا إشهاد كل خلق نفسه.

وفيه أن المراد بنفي الإشهاد استنتاج انتفاء الولاية ، ولم يقل أحد من المشركين بولاية بعض الشياطين لبعض ولا تعلق الغرض بنفيها حتى يحمل لفظ الآية على إشهاد بعضهم خلق بعض.

ومنها قول بعضهم: إن أول الضميرين للشياطين والثاني للكفار أو لهم ولغيرهم من الناس.

والمعنى ما أشهدت الشياطين خلق السماوات والأرض ولا خلق الكفار أو الناس حتى يكونوا أولياء لهم.

وفيه أن فيه تفكيك الضميرين.

ومنها قول بعضهم: برجوع الضميرين إلى الكفار قال الإمام الرازي في تفسيره ، والأقرب عندي عودهما يعني الضميرين على الكفار الذين قالوا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست بسلطان البلد حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة فلم تقدم عليها؟.

ويؤكده أن الضمير يجب عوده على أقرب المذكورات وهو في الآية أولئك الكفار لأنهم المراد بالظالمين في قوله تعالى:"بئس للظالمين بدلا"انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت