و فيه أن فيه خرق السياق بتعليق مضمون الآية بما تعرض به في قوله:"و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا"بنحو الإشارة قبل ثلاث وعشرين آية وقد تحول وجه الكلام بالانعطاف على أول السورة مرة بعد مرة بالتمثيل بعد التمثيل والتذكير بعد التذكير فما احتمله من المعنى في غاية البعد.
على أن ما ذكره من اقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إن لم تطرد هؤلاء الفقراء من مجلسك لم نؤمن بك"ليس باقتراح فيه مداخلة في تدبير أمر العالم حتى يرد عليهم بمثل قوله"ما أشهدتهم"إلخ بل اشتراط لإيمانهم بطرد أولئك من غير أن يبتني على دعوى ترد بمثل ذلك ، نعم لو قيل: اطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء واكتفي به لكان لما قاله بعض الوجه.
وكأن التنبه لهذه النكتة دعا بعضهم إلى توجيه معنى الآية على تقدير رجوع الضميرين إلى الكفار بأن المراد أنهم جاهلون بما جرى عليه القلم في الأزل من أمر السعادة والشقاء إذ لم يشهدوا الخلقة فكيف يقترحون عليك أن تقربهم إليك وتطرد الفقراء.
ومثله قول آخرين: إن المراد أني ما أطلعتهم على أسرار الخلقة ولم يختصوا مني بما يمتازون به من غيرهم حتى يكونوا قدوة يقتدي بهم الناس في الإيمان بك فلا تطمع في نصرتهم فلا ينبغي لي أن أعتضد لديني بالمضلين.
وكلا الوجهين أبعد مما ذكره الإمام من الوجه فأين الآية من الدلالة على ما اختلقاه من المعنى؟.
ومنها أن الضميرين للملائكة والمعنى ما أشهدت الملائكة خلق العالم ولا خلق أنفسهم حتى يعبدوا من دوني ، وينبغي أن يضاف إليه أن قوله:"و ما كنت متخذ المضلين عضدا"أيضا متعرض لنفي ولاية الشياطين فتدل الآية حينئذ بصدرها وذيلها على نفي ولاية الفريقين جميعا وإلا دفعه ذيل الآية.
وفيه أن الآية السابقة إنما خاطبت الكفار في قولهم بولاية الشياطين ثم ذكرتهم بضمير الجمع في قولها:"و هم لكم عدو"ولم يتعرض لشيء من أمر الملائكة فإرجاع الضميرين إلى الملائكة دون الشياطين تفكيك ، والاشتغال بنفي ولاية الملائكة تعرض لما لم يحوج إليه السياق ولا اقتضاه المقام.
قوله تعالى:"و يوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم"إلى آخر الآية هذا تذكير ثالث يذكر فيه ظهور بطلان الرابطة بين المشركين وبين شركائهم يوم القيامة ويتأكد بذلك أنهم ليسوا على شيء مما يدعيه لهم المشركون.
فقوله:"و يوم يقول"إلخ الضمير له تعالى بشهادة السياق ، والمعنى واذكر لهم يوم يقول الله لهم نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم لي شركاء فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وبان أنهم ليسوا لي شركاء ولو كانوا لاستجابوا.
وقوله:"و جعلنا بينهم موبقا"الموبق بكسر الباء اسم مكان من وبق وبوقا بمعنى هلك ، والمعنى جعلنا بين المشركين وشركائهم محل هلاك وقد فسر القوم هذا الموبق والمهلك بالنار أو بمحل من النار يهلك فيه الفريقان المشركون وشركاءهم لكن التدبر في كلامه تعالى لا يساعد عليه فإن الآية قد أطلقت الشركاء وفيهم - ولعلهم الأكثر - الملائكة وبعض الأنبياء والأولياء ، وأرجع إليهم ضمير أولي العقل مرة بعد مرة ، ولا دليل على اختصاصهم بمردة الجن والإنس وكون جعل الموبق بينهم دليلا على الاختصاص أول الكلام.
فلعل المراد من جعل موبق بينهم إبطال الرابطة ورفعها من بينهم وقد كانوا يرون في الدنيا أن بينهم وبين شركائهم رابطة الربوبية والمربوبية أو السببية والمسببية فكني عن ذلك بجعل موبق بينهم يهلك فيه الرابطة والعلقة من غير أن يهلك الطرفان ، ويومىء إلى ذلك بلطيف الإشارة تعبيره عن دعوتهم أولا بالنداء حيث قال:"نادوا شركائي"والنداء إنما يكون في البعيد فهو دليل على بعد ما بينهما.
وإلى مثل هذا المعنى يشير قوله تعالى في موضع آخر من كلامه:"و ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون": الأنعام: 94 ، وقوله تعالى:"ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون": يونس: 28.
قوله تعالى:"و رءا المجرمون النار وظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا"في أخذ المجرمين مكان المشركين دلالة على أن الحكم عام لجميع أهل الإجرام ، والمراد بالظن هو العلم - على ما قيل - ويشهد به قوله:"و لم يجدوا عنها مصرفا".