فهرس الكتاب

الصفحة 2774 من 4314

و المراد بمواقعة النار الوقوع فيها - على ما قيل ولا يبعد أن يكون المراد حصول الوقوع من الجانبين فهم واقعون في النار بدخولهم فيها والنار واقعة فيهم باشتعالهم بها.

وقوله:"و لم يجدوا عنها مصرفا"المصرف بكسر الراء اسم مكان من الصرف أي لم يجدوا محلا ينصرفون إليه ويعدلون عن النار ولا مناص.

قوله تعالى:"و لقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا"قد مر الكلام في نظير صدر الآية في سورة أسرى آية 89 والجدل الكلام على سبيل المنازعة والمشاجرة والآية إلى تمام ست آيات مسوقة للتهديد بالعذاب بعد التذكيرات السابقة.

قوله تعالى:"و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم"و"يستغفروا"عطف على قوله:"يؤمنوا"أي وما منعهم من الإيمان والاستغفار حين مجيء الهدى.

وقوله:"إلا أن تأتيهم سنة الأولين"أي إلا طلب أن تأتيهم السنة الجارية في الأمم الأولين وهي عذاب الاستئصال ، وقوله:"أو يأتيهم العذاب قبلا"عطف على سابقه أي أو طلب أن يأتيهم العذاب مقابلة وعيانا ولا ينفعهم الإيمان حينئذ لأنه إيمان بعد مشاهدة البأس الإلهي قال تعالى:"فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده": المؤمن: 85.

فمحصل المعنى أن الناس لا يطلبون إيمانا ينفعهم والذي يريدونه أن يأخذهم عذاب الاستئصال على سنة الأولين فيهلكوا ولا يؤمنوا أو يقابلهم العذاب عيانا فيؤمنوا اضطرارا فلا ينفعهم الإيمان.

وهذا المنع والاقتضاء في الآية أمر ادعائي يراد به أنهم معرضون عن الحق لسوء سريرتهم فلا جدوى للإطناب الذي وقع في التفاسير في صحة ما مر من التوجيه والتقدير إشكالا ودفعا.

قوله تعالى:"و ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين"إلخ تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يضيق صدره من إنكار المنكرين وإعراضهم عن ذكر الله فما كانت وظيفة المرسلين إلا التبشير والإنذار وليس عليهم وراء ذلك من بأس ففيه انعطاف إلى مثل ما مر في قوله في أول السورة:"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"وفي الآية أيضا نوع تهديد للكفار المستهزءين.

والدحض الهلاك والإدحاض الإهلاك والإبطال ، والهزوء: الاستهزاء والمصدر بمعنى اسم المفعول ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه"إعظام وتكبير لظلمهم والظلم يعظم ويكبر بحسب متعلقه وإذا كان هو الله سبحانه بآياته فهو أكبر من كل ظلم.

والمراد بنسيان ما قدمت يداه عدم مبالاته بما يأتيه من الإعراض عن الحق والاستهزاء به وهو يعلم أنه حق ، وقوله:"إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا"كأنه تعليل لإعراضهم عن آيات الله أو له ولنسيانهم ما قدمت أيديهم ، وقد تقدم الكلام في معنى جعل الأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم في الكتاب مرارا.

وقوله:"و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا"إياس من إيمانهم بعد ما ضرب الله الحجاب على قلوبهم وآذانهم فلا يسعهم بعد ذلك أن يهتدوا بأنفسهم بتعقل الحق ولا أن يسترشدوا بهداية غيرهم بالسمع والاتباع ، والدليل على هذا المعنى قوله:"و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا"حيث دل على تأييد النفي وقيده بقوله:"إذا"وهو جزاء وجواب.

قال في روح المعاني ،: واستدلت الجبرية بهذه الآية على مذهبهم والقدرية بالآية التي قبلها.

قال الإمام: وقل ما تجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر ، وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه الله على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين.

انتهى.

أقول: وكلتا الآيتين حق ولازم ذلك ثبوت الاختيار للعباد في أعمالهم وانبساط سلطنته تعالى في ملكه حتى على أعمال العباد وهو مذهب أئمة أهل لبيت (عليهم السلام) .

قوله تعالى:"و ربك الغفور ذو الرحمة"إلى آخر الآية ، الآيات - كما سمعت - مسرودة لتهديدهم بالعذاب وهم فاسدون في أعمالهم فسادا لا يرجى منهم صلاح وهذا مقتض لنزول العذاب وأن يكون معجلا لا يمهلهم إذ لا أثر لبقائهم إلا الفساد لكن الله سبحانه لم يعجل لهم العذاب وإن قضى به قضاء حتم بل أخره إلى أجل مسمى عينه بعلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت