و قيل: هو أحد أسباط يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) وهو موسى بن ميشا بن يوسف وكان من أنبياء بني إسرائيل ويبعده أن القرآن قد أكثر ذكر اسم موسى حتى بلغ مائة ونيفا وثلاثين وهو يريد ابن عمران (عليه السلام) فلو أريد بما في هذه القصة غيره لضم إليه قرينة صارفة.
وقيل إن القصة أسطورة تخييلية صورت لغاية أن كمال المعرفة يورد الإنسان مشرعة عين الحياة ويسقيه ماءها وهو الحياة الخالدة التي لا موت بعدها أبدا والسعادة السرمدية التي لا سعادة فوقها قط.
وفيه أنه تقدير من غير دليل وظاهر الكتاب العزيز يدفعه ولا خبر في القصة التي يقصها القرآن عن عين الحياة هذه إلا ما ورد في أقاويل بعض المفسرين والقصاصين من أهل التاريخ من غير أصل قرآني يستند إليه أو وجدان حسي لعين هذه صفتها في صقع من أصقاع الأرض.
والفتى الذي ذكره الله وأضافه إلى موسى قيل هو يوشع بن نون وصيه ، وبه وردت الرواية قيل: سمي فتى لأنه كان يلازمه سفرا وحضرا أو لأنه كان يخدمه.
والعالم الذي لقيه موسى ووصفه الله وصفا جميلا بقوله:"عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما"ولم يسمه ورد في الروايات أن اسمه الخضر وكان نبيا من الأنبياء معاصر لموسى (عليه السلام) وفي بعضها أن الله رزقه طول الحياة فهو حي لم يمت بعد ، وهذا المقدار لا بأس به إذ لم يرد عقل أو نقل قطعي بخلافه وقد طال البحث عن شخصية الخضر بين القوم كما في مطولات التفاسير وتكاثرت القصص والحكايات في رؤيته ومع ذلك لا تخلو الأخبار والقصص عن أساطير موضوعة أو مدسوسة.
قوله تعالى:"و إذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا"الظرف متعلق بمقدر ، والجملة معطوفة على ما عطف عليه التذكيرات الثلاثة المذكورة سابقا ، وقوله:"لا أبرح"بمعنى لا أزال وهو من الأفعال الناقصة حذف خبره إيجازا لدلالة قوله:"حتى أبلغ"عليه والتقدير لا أبرح أمشي أو أسير ، ومجمع البحرين قيل: هو الذي ينتهي إليه بحر الروم من الجانب الشرقي وبحر الفرس من الجانب 1 الغربي ، والحقب الدهر والزمان وتنكيره يدل على وصف محذوف والتقدير حقبا طويلا.
والمعنى - والله أعلم - واذكر إذ قال موسى لفتاه لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي دهرا طويلا.
قوله تعالى:"فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا"الظاهر أن قوله:"مجمع بينهما"من إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله بين البحرين الموصوف بأنه مجمعهما.
وقوله:"نسيا حوتهما"الآيتان التاليتان تدلان على أنه كان حوتا مملوحا أو مشويا حملاه ليرتزقا به في المسير ولم يكن حيا وإنما حي هناك واتخذ سبيله في البحر ورآه الفتى وهو حي يغوص في البحر ونسي أن يذكر ذلك لموسى ونسي موسى أن يسأله عنه أين هو؟ وعلى هذا فمعنى"نسيا حوتهما"بنسبة النسيان إليهما معا: نسيا حال حوتهما فموسى نسي كونه في المكتل فلم يتفقده والفتى نسيه إذ لم يخبر موسى بعجيب ما رأى من أمره.
هذا ما ذكروه.
واعلم أن الآيات غير صريحة في حياة الحوت بعد ما كان ميتا بل ظاهر قوله:"نسيا حوتهما"وكذا قوله:"نسيت الحوت"أن يكونا وضعاه في مكان من الصخرة مشرف على البحر فيسقط في البحر أو يأخذه البحر بمد ونحوه فيغيب فيه ويغور في أعماقه بنحو عجيب كالدخول في السرب ويؤيده ما في بعض الروايات أن العلامة كانت هي افتقاد الحوت لا حياته والله أعلم.
وقوله:"فاتخذ سبيله في البحر سربا"السرب المسلك والمذهب والسرب والنفق الطريق المحفور في الأرض لا نفاذ فيه كأنه شبه السبيل الذي اتخذه الحوت داخل الماء بالسرب الذي يسلكه السالك فيغيب فيه.
قوله تعالى:"فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا"قال في المجمع ،: النصب والوصب والتعب نظائر ، وهو الوهن الذي يكون عن كد انتهى ، والمراد بالغداء ما يتغدى به وفيه دلالة على أن ذلك كان في النهار.
والمعنى: ولما جاوزا مجمع البحرين أمر موسى فتاه أن يأتي بالغداء وهو الحوت الذي حملاه ليتغديا به ولقد لقيا من سفرهما تعبا.