قوله تعالى:"قال أ رأيت إذ أوينا إلى الصخرة"إلى آخر الآية يريد حال بلوغهم مجمع البحرين ومكثهم هناك فقد كانت الصخرة هناك والدليل عليه قوله:"و اتخذ سبيله"إلخ وقد ذكر في ما مر أنه كان بمجمع البحرين ، يقول لموسى: لا غداء عندنا نتغدى به فإن غداءنا وهو الحوت حي ودخل البحر وذهب حينما بلغنا مجمع البحرين وأوينا إلى الصخرة التي كانت هناك وإني نسيت أن أخبرك بذلك.
فقوله:"أ رأيت إذ أوينا إلى الصخرة"يذكره حال أويهما إلى الصخرة ونزولهما عندها ليستريحا قليلا ، وقوله:"فإني نسيت الحوت"أي نسيت حال الحوت التي شاهدتها منه فلم أذكرها لك ، والدليل على هذا المعنى - كما قيل - قوله:"و ما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره"فإن"أن أذكره"بدل من ضمير"أنسانيه"والتقدير"و ما أنساني ذكر الحوت لك إلا الشيطان فهو لم ينس نفس الحوت وإنما نسي أن يذكر حاله التي شاهد منه لموسى."
ولا ضير في نسبة الفتى نسيانه إلى تصرف من الشيطان بناء على أنه كان يوشع بن نون النبي والأنبياء في عصمة إلهية من الشيطان لأنهم معصومون مما يرجع إلى المعصية وأما مطلق إيذاء الشيطان فيما لا يرجع إلى معصية فلا دليل يمنعه قال تعالى:"و اذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب": ص: 41.
وقوله:"و اتخذ سبيله في البحر عجبا"أي اتخاذا عجبا فعجبا وصف قام مقام موصوفه على المفعولية المطلقة ، وقيل: إن قوله:"و اتخذ سبيله في البحر"قول الفتى وقوله:"عجبا"من قول موسى ، والسياق يدفعه.
واعلم أن ما تقدم من الاحتمال في قوله:"نسيا حوتهما"الخ جار هاهنا والله أعلم.
قوله تعالى:"قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا"البغي الطلب ، والارتداد العود على بدء ، والمراد بالآثار آثار أقدامهما ، والقصص اتباع الأثر والمعنى قال موسى: ذلك الذي وقع من أمر الحوت هو الذي كنا نطلبه فرجعا على آثارهما يقصانها قصصا ويتبعانها اتباعا.
وقوله:"ذلك ما كنا نبغ فارتدا"يكشف عن أن موسى كان مأمورا من طريق الوحي أن يلقى العالم في مجمع البحرين وكان علامة المحل الذي يجده ويلقاه فيه ما وقع من أمر الحوت إما خصوص قضية حياته وذهابه في البحر أو بنحو الإبهام والعموم كفقد الحوت أو حياته أو عود الميت حيا ونحو ذلك ، ولذلك لما سمع موسى من فتاه ما سمع من أمر الحوت قال ما قال ، ورجعا إلى المكان الذي فارقاه فوجدا عبدا"إلخ".
قوله تعالى:"فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا"إلخ.
كل نعمة فإنها رحمة منه تعالى لخلقه لكن منها ما تتوسط فيه الأسباب الكونية وتعمل فيه كالنعم الظاهرية بأنواعها ، ومنها ما لا يتوسط فيه شيء منها كالنعم الباطنية من النبوة والولاية بشعبها ومقاماتها ، وتقييد الرحمة بقوله:"من عندنا"الظاهر في أنها من موهبته لا صنع لغيره فيها يعطي أنها من القسم الثاني أعني النعم الباطنية ثم اختصاص الولاية بحقيقتها به تعالى كما قال:"فالله هو الولي": الشورى: 9 ، وكون النبوة مما للملائكة الكرام فيه عمل كالوحي ونحوه يؤيد أن يكون المراد بقوله:"رحمة من عندنا"حيث جيء بنون العظمة ولم يقل: من عندي هو النبوة دون الولاية ، وبهذا يتأيد تفسير من فسر الكلمة بالنبوة والله أعلم.
وأما قوله:"و علمناه من لدنا علما"فهو أيضا كالرحمة التي من عنده علم لا صنع فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى يحصل من طريق الاكتساب والدليل على ذلك قوله:"من لدنا"فهو علم وهبي غير اكتسابي يختص به أولياءه وآخر الآيات يدل على أنه كان علما بتأويل الحوادث.
قوله تعالى:"قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا"الرشد خلاف الغي وهو إصابة الصواب ، وهو في الآية مفعول له أو مفعول به ، والمعنى قال له موسى هل أتبعك اتباعا مبنيا على هذا الأساس وهو أن تعلمني مما علمت لأرشد به أو تعلمني مما علمت أمرا ذا رشد.