فهرس الكتاب

الصفحة 2779 من 4314

قوله تعالى:"قال إنك لن تستطيع معي صبرا"نفي مؤكد لصبره (عليه السلام) على شيء مما يشاهده منه في طريق التعليم والدليل عليه تأكيد الكلام بأن ، وإيراد الصبر نكرة في سياق النفي الدال على إرادة العموم ، ونفي الصبر بنفي الاستطاعة التي هي القدرة فهو آكد من أن يقال: لن تصبر ، وإيراد النفي بلن ولم يقل: لا تصبر وللفعل توقف على القدرة فهو نفي الفعل بنفي أحد أسبابه ثم نفي الصبر بنفي سبب القدرة عليه وهو إحاطة الخبر والعلم بحقيقة الواقعة وتأويلها حتى يعلم أنها يجب أن تجري على ما جرت عليه.

وقد نفى صبره على مظاهر علمه من الحوادث حيث قال:"لن تستطيع معي"ولم ينف صبره على نفس علمه فلم يقل: لن تصبر على ما أعلمه ولن تتحمله ولم يتغير عليه موسى (عليه السلام) حينما أخبره بتأويل ما رأى منه وإنما تغير عليه عند مشاهدة نفس أفعاله التي أراه إياها في طريق التعليم ، فللعلم حكم ولمظاهره حكم ونظير ذلك أن موسى (عليه السلام) لما رجع من الميقات إلى قومه وشاهد أنهم عبدوا العجل من بعده امتلأ غيظا وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه وقد كان الله أخبره بذلك وهو في الميقات فلم يأت بشيء من ذلك وقول الله أصدق من الحس والقصة في سورة الأعراف.

فقوله:"إنك لن تستطيع معي"إلخ إخبار بأنه لا يطيق الطريق الذي يتخذه في تعليمه أن اتبعه لا أنه لا يتحمل العلم.

قوله تعالى:"و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا"الخبر العلم وهو تمييز والمعنى لا يحيط به خبرك.

قوله تعالى:"قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا"وعده الصبر لكن قيده بالمشية فلم يكذب إذ لم يصبر ، وقوله:"و لا أعصي"إلخ عطف على"صابرا"لما فيه من معنى الفعل فعدم المعصية الذي وعده أيضا مقيد بالمشية ولم يخلف الوعد إذ لم ينتهي بنهيه عن السؤال.

قوله تعالى:"قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا"الظاهر أن"منه"متعلق بقوله:"ذكرا"وإحداث الذكر من الشيء الابتداء به من غير سابقة والمعنى فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء تشاهده من أمري تشق عليك مشاهدته حتى أبتدىء أنا بذكر منه ، وفيه إشارة إلى أنه سيشاهد منه أمورا تشق عليه مشاهدتها وهو سيبينها له لكن لا ينبغي لموسى أن يبتدئه بالسؤال والاستخبار بل ينبغي أن يصبر حتى يبتدئه هو بالإخبار.

وقد أتى موسى (عليه السلام) من الخلق والأدب البارع الحري بالمتعلم المستفيد قبال الخضر - على ما تحكيه هذه الآيات - بأمر عجيب وهو كليم الله موسى بن عمران الرسول النبي أحد أولي العزم صاحب التوراة.

فكلامه موضوع على التواضع من أوله إلى آخره ، وقد تأدب معه أولا فلم يورد طلبه منه التعليم في صورة الأمر بل في صورة الاستفهام هضما لنفسه ، وسمي مصاحبته اتباعا منه له ، ثم لم يورد التعليم في صورة الاشتراط بل قال: على أن تعلمن إلخ ، ثم عد نفسه متعلما ، ثم أعظم قدر علمه إذ جعله منتسبا إلى مبدإ غير معلوم لم يعينه باسم أو نعت فقال:"علمت"ولم يقل: تعلم ، ثم مدحه بقوله:"رشدا"ثم جعل ما يتعلمه بعض علمه فقال:"مما علمت"ولم يقل: ما علمت ثم رفع قدره إذ جعل ما يشير عليه به أمرا يأمره وعد نفسه لو خالفه فيما يأمر عاصيا ثم لم يسترسل معه بالتصريح بالوعد بل كنى عنه بمثل قوله:"ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا".

وقد تأدب الخضر معه إذ لم يصرح بالرد أولا بل أشار إليه بنفي استطاعته على الصبر ثم لما وعده موسى بالصبر إن شاء الله لم يأمره بالاتباع بل خلى بينه وبين ما يريد فقال:"فإن اتبعتني": ثم لم ينهه عن السؤال نهيا مطلقا في صورة المولوية المحضة بل علقه على اتباعه فقال:"فإن اتبعتني فلا تسئلني"حتى يفيد أنه لا يقترح عليه بالنهي بل هو أمر يقتضيه الاتباع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت