و دولة الحميريين وهم طبقتان الأولى ملوك سبإ وريدان من سنة 115 ق م إلى سنة 275 ق م وهؤلاء ملوك فقط ، والطبقة الثانية ملوك سبإ وريدان وحضرموت وغيرها ، وهؤلاء أربعة عشر ملكا أكثرهم تبابعة أولهم"شمريرعش"وثانيهم"ذو القرنين"وثالثهم"عمرو"زوج بلقيس 1 وينتهي إلى ذي جدن ويبتدىء ملكهم من سنة 275 م إلى سنة 525.
ثم قال: فقد ظهرت صلة الاتصاف بلقب"ذي"بملوك اليمن ولا نجد في غيرهم كملوك الروم مثلا من يلقب بذي ، فذو القرنين من ملوك اليمن ، وقد تقدم من ملوكهم من يسمى بذي القرنين ، ولكن هل هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن؟.
نحن نقول: كلا لأن هذا مذكور في ملوك قريبي العهد منا جدا ، ولم ينقل ذلك عنهم اللهم إلا في روايات ذكرها القصاصون في التاريخ مثل أن"شمريرعش"وصل إلى بلاد العراق وفارس وخراسان والصغد ، وبنى مدينة سمرقند وأصله شمركند ، وأن أسعد أبو كرب غزا أذربيجان ، وبعث حسانا ابنه إلى الصغد ، وابنه يعفر إلى الروم ، وابن أخيه إلى الفرس ، وأن من الحميريين من بقوا في الصين لهذا العهد بعد غزو ذلك الملك لها.
وكذب ابن خلدون وغيره هذه الأخبار ، ووسموها بأنها مبالغ فيها ، ونقضوها بأدلة جغرافية وأخرى تاريخية.
إذن يكون ذو القرنين من أمة العرب ولكنه في تاريخ قديم قبل التاريخ المعروف.
انتهى ملخصا.
و- وقيل: إن ذا القرنين هو كورش أحد ملوك الفرس الهخامنشيين 539 - 560 ق م وهو الذي أسس الإمبراطورية الإيرانية ، وجمع بين مملكتي الفارس وماد ، وسخر بابل وأذن في رجوع اليهود من بابل إلى أورشليم وساعد في بناء الهيكل وسخر مصر ثم اجتاز إلى يونان فغلبهم وبلغ المغرب ثم سار إلى أقاصي المعمورة في المشرق.
ذكره بعض من قارب 1 عصرنا ثم بذل الجهد في إيضاحه وتقريبه بعض محققي 2 الهند في هذه الأواخر بيان ذلك إجمالا أن الذي ذكره القرآن من وصف ذي القرنين منطبق على هذا الملك العظيم فقد كان مؤمنا بالله بدين التوحيد عادلا في رعيته سائرا بالرأفة والرفق والإحسان سائسا لأهل الظلم والعدوان ، وقد آتاه الله من كل شيء سببا فجمع بين الدين والعقل وفضائل الأخلاق والعدة والقوة والثروة والشوكة ومطاوعة الأسباب.
وقد سار كما ذكره الله في كتابه مرة نحو المغرب حتى استولى على ليديا وحواليها ثم سار ثانيا نحو المشرق حتى بلغ مطلع الشمس ووجد عنده قوما بدويين همجيين يسكنون في البراري ثم بنى السد وهو على ما يدل عليه الشواهد السد المعمول في مضيق داريال بين جبال قفقاز بقرب"مدينة تفليس"هذا إجمال الكلام ودونك التفصيل.
إيمانه بالله واليوم الآخر: يدل على ذلك ما في كتب العهد العتيق ككتاب عزرا ، الإصحاح 1 وكتاب دانيال ، الإصحاح 6 وكتاب أشعيا ، الإصحاح 44 و45 من تجليله وتقديسه حتى سماه في كتاب الأشعياء"راعي الرب"وقال في الإصحاح الخامس والأربعين:"هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمما وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق."
أنا أسير قدامك والهضاب أمهد أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف.
وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابي.
لكي تعرف أني أنا الرب الذي يدعوك باسمك.
لقبتك وأنت لست تعرفني"."
ولو قطع النظر عن كونه وحيا فاليهود على ما بهم من العصبية المذهبية لا يعدون رجلا مشركا مجوسيا أو وثنيا - لو كان كورش كذلك - مسيحا إلهيا مهديا مؤيدا وراعيا للرب.
على أن النقوش والكتابات المخطوطة بالخط المسماري المأثور عن داريوش الكبير وبينهما من الفصل الزماني ثماني سنين ناطقة بكونه موحدا غير مشرك ، وليس من المعقول أن يتغير ما كان عليه كورش في هذا الزمن القصير.
وأما فضائله النفسانية فيكفي في ذلك الرجوع إلى المحفوظ من أخباره وسيرته وما قابل به الطغاة والجبابرة الذين خرجوا عليه أو حاربهم كملوك"ماد"و"ليديا"و"بابل"و"مصر"وطغاة البدو في أطراف"بكتريا"وهو البلخ وغيرهم ، وكان كلما ظهر على قوم عفا عن مجرميهم ، وأكرم كريمهم ورحم ضعيفهم وساس مفسدهم وخائنهم.