و ثانيا: أن ذا القرنين الأول وهو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج قبل الإسكندر المقدوني بقرون كثيرة سواء كان معاصرا للخليل (عليه السلام) أو بعده كما هو مقتضى ما نقله ابن هشام من ملاقاته الخضر ببيت المقدس المبني بعد إبراهيم بعدة قرون في زمن داود وسليمان (عليهما السلام) فهو على أي حال قبله مع ما في تاريخ ملوك حمير من الإبهام.
ويبقى الكلام على ما ذكره واختاره من جهتين: أحدهما: أنه أين موضع هذا السد الذي بناه تبع الحميري؟.
وثانيهما: أنه من هم هذه الأمة المفسدة في الأرض التي بنى السد لصدهم فهل هذا السد أحد الأسداد المبنية في اليمن أو ما والاها كسد مأرب وغيره فهي أسداد مبنية لادخار المياه للشرب والسقي لا للصد على أنها لم يعمل فيها زبر الحديد والقطر كما ذكره الله في كتابه ، أو غيره؟ وهل كان هناك أمة مفسدة مهاجمة ، وليس فيما يجاورهم إلا أمثال القبط والآشور وكلدان وغيرهم وهم أهل حضارة ومدنية؟.
وذكر بعض أجلة المحققين 1 من معاصرينا في تأييد هذا القول ما محصله: أن ذا القرنين المذكور في القرآن قبل الإسكندر المقدوني بمئات من السنين فليس هو هو بل هو أحد الملوك الصالحين من التبابعة الأذواء من ملوك اليمن ، وكان من شيمة طائفة منهم التسمي بذي كذي همدان وذي غمدان وذي المنار وذي الإذعار وذي يزن وغيرهم.
وكان مسلما موحدا وعادلا حسن السيرة وقويا ذا هيبة وشوكة سار في جيش كثيف نحو المغرب فاستولى على مصر وما وراءها ثم لم يزل يسير على سواحل البحر الأبيض حتى بلغ ساحل المحيط الغربي فوجد الشمس تغيب في عين حمئة أو حامية.
ثم رجع سائرا نحو المشرق وبنى في مسيره"إفريقية 1"وكان شديد الولع وذا خبرة في البناء والعمارة ، ولم يزل يسير حتى مر بشبه جزيرة وبراري آسيا الوسطى وبلغ تركستان وحائط الصين ووجد هناك قوما لم يجعل الله لهم من دون الشمس سترا.
ثم مال إلى الجانب الشمالي حتى بلغ مدار السرطان ، ولعله الذي شاع في الألسن أنه دخل الظلمات ، فسأله أهل تلك البلاد أن يبني لهم سدا يصد عنهم يأجوج ومأجوج لما أن اليمنيين - وذو القرنين منهم - كانوا معروفين بعمل السد والخبرة فيه فبنى لهم السد.
فإن كان هذا السد هو الحائط الكبير الحائل بين الصين ومنغوليا فقد كان ذلك ترميما منه لمواضع تهدمت من الحائط بمرور الأيام وإلا فأصل الحائط إنما بناه بعض ملوك الصين قبل ذلك ، وإن كان سدا آخر غير الحائط فلا إشكال.
ومما بناه ذو القرنين واسمه الأصلي"شمريرعش"في تلك النواحي مدينة سمرقند 2 على ما قيل.
وأيد ذلك بأن كون ذي القرنين ملكا عربيا صالحا يسأل عنه الأعراب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويذكره القرآن الكريم للتذكر والاعتبار أقرب للقبول من أن يذكر قصة بعض ملوك الروم أو العجم أو الصين ، وهم من الأمم البعيدة التي لم يكن للأعراب هوى في أن يسمعوا أخبارهم أو يعتبروا بآثارهم ، ولذا لم يتعرض القرآن لشيء من أخبارهم.
انتهى ملخصا.
والذي يبقى عليه أن كون حائط الصين هو سد ذي القرنين لا سبيل إليه فإن ذا القرنين قبل الإسكندر بعدة قرون على ما ذكره وقد بنى حائط الصين بعد الإسكندر بما يقرب من نصف قرن وأما غير الحائط الكبير ففي ناحية الشمال الغربي من الصين بعض أسداد أخر لكنها مبنية من الحجارة على ما يذكر لا أثر فيها من زبر الحديد والقطر.
وقال في تفسير الجواهر بعد ذكر مقدمة ملخصها أن المعروف من دول اليمن بمعونة من النقوش المكشوفة في خرائب اليمن ثلاث دول: .
دولة معين وعاصمتها قرناء وقد قدر العلماء أن آثار دولة معين تبتدىء من القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى القرن السابع أو الثامن قبله ، وقد عثروا على بعض ملوك هذه الدولة وهم ستة وعشرون ملكا مثل"أب يدع"و"أب يدع ينيع"أي المنقد.
ودولة سبإ وهم من القحطانيين كانوا أولا أذواء فأقيالا ، والذي نبغ منهم"سبأ"صاحب قصر صرواح شرقي صنعاء فاستولى على الجميع ، ويبتدىء ملكهم من 850 ق م إلى 115 ق م والمعروف من ملوكهم سبعة وعشرون ملكا خمسة عشر منهم يسمى مكربا كالمكرب"يثعمر"والمكرب"ذمر على"، واثنا عشرة منهم يسمى ملكا فقط كالملك"ذرح"والملك"يريم أيمن".