فهرس الكتاب

الصفحة 2815 من 4314

و ولي الإنسان من يلي أمره ، وولي الميت هو الذي يقوم بأمره ويخلفه فيما ترك ، وآل الرجل خاصته الذين يئول إليه أمرهم كولده وأقاربه وأصحابه وقيل: أصله أهل ، والمراد بيعقوب على ما قيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهما السلام) ، وقيل هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم وكانت امرأة زكريا أخت مريم وعلى هذا يكون معنى قوله:"يرثني ويرث من آل يعقوب"يرثني ويرث امرأتي وهي بعض آل يعقوب ، والأشبه حينئذ أن تكون"من"في قوله:"من آل يعقوب"للتبعيض وإن صح كونها ابتدائية أيضا.

وقوله:"و اجعله رب رضيا"الرضي بمعنى المرضي ، وإطلاق الرضا يقتضي شموله للعلم والعمل جميعا فالمراد به المرضي في اعتقاده وعمله أي اجعله رب محلى بالعلم النافع والعمل الصالح.

وقد قص الله سبحانه هذه القصة في سورة آل عمران وهي مدنية متأخرة نزولا عن سورة مريم المكية بقوله في ذيل قصة مريم"فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء": آل عمران: 38.

ولا يرتاب المتدبر في الآيتين أن الذي دعا زكريا ودفعه إلى دعائه بما دعا هو ما شاهده من حال مريم وكرامتها على الله سبحانه في عبوديتها وإخلاصها العمل فأحب أن يخلفه خلف له من القرب والكرامة ما شاهد مثله في مريم ثم ذكر ما هو عليه من الشيب ونفاد القوة وما عليه امرأته من كبر السن والعقر وله موال لا يرتضيهم فوجد لذلك وهو ذاكر ما عوده ربه من استجابة الدعوة وكفاية كل مهمة ففزع إلى ربه بالدعاء واستيهاب ذرية طيبة.

فقوله في سورة آل عمران:"رب هب لي من لدنك ذرية طيبة"بحذاء قوله في سورة مريم:"فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا"وقوله هناك:"طيبة"بحذاء قوله هنا:"و اجعله رب رضيا"والمراد به ما شاهده من القرب والكرامة عند الله لمريم وعملها الصالح فيبقى قوله هناك:"هب لي من لدنك ذرية"، بحذاء قوله هنا:"فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب"وهو يفسره فالمراد بقوله:"وليا يرثني"إلخ ، ولد صلبي يرثه.

ومن هنا يظهر فساد ما قيل: إنه (عليه السلام) طلب بقوله:"فهب لي من لدنك وليا يرثني"إلخ ، من يقوم مقامه ويرثه ولدا كان أو غيره ، وكذا ما قيل: إنه أيس أن يولد له من امرأته فطلب من يرثه ويقوم مقامه من سائر الناس.

وذلك لصراحة قوله في نفس القصة في سورة آل عمران:"رب هب لي من لدنك ذرية طيبة"في طلب الولد.

على أن التعبير بمثل"هب لي"المشعر بنوع من الملك لا يستقيم في سائر الناس من الأجانب وإنما الملائم له التعبير بالجعل ونحوه كما في قوله تعالى:"و اجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا": النساء: 75.

ومن هنا يظهر أيضا أن المراد بقوله:"وليا يرثني"الولد كما عبر عنه في آية آل عمران بالذرية فالمراد بالولي الذرية وهو ولي في الإرث ، والمراد بالوراثة وراثة ما تركه الميت من الأموال وأمتعة الحياة ، وهو المتبادر إلى الذهن من الإرث بلا ريب إما لكونه حقيقة في المال ونحوه مجازا في غيره كالإرث المنسوب إلى العلم وسائر الصفات والحالات المعنوية وإما لكونه منصرفا إلى المال إن كان حقيقة في الجميع فاللفظ على أي حال ظاهر في وراثة المال ويتعين بانضمامه إلى الولي كون المراد به الولد ، ويزيد في ظهوره في ذلك قوله قبل:"و إني خفت الموالي من ورائي"على ما سيأتي من البيان إن شاء الله.

وأما قول من قال: إن المراد به وراثة النبوة وأنه طلب من ربه أن يهب له ولدا يرثه النبوة فيدفعه ما عرفت آنفا أن الذي دعاه (عليه السلام) إلى هذا الدعاء والمسألة هو ما شاهده من مريم ولا خبر في ذلك عن النبوة ولا أثر فأي رابطة بين أن يشاهد منها عبادة وكرامة فيعجبه ذلك وبين أن يطلب من ربه ولدا يرثه النبوة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت