فهرس الكتاب

الصفحة 2819 من 4314

و استفهامه (عليه السلام) عن كون الغلام مع عقر امرأته وبلوغه العتي مع ذكره الأمرين في ضمن دعائه إذ قال:"رب إني وهن العظم مني"إلخ ، مبني على استعجاب البشرى واستفسار خصوصياتها دون الاستبعاد والإنكار فإن من بشر بما لا يتوقعه لتوفر الموانع وفقدان الأسباب تضطرب نفسه بادىء ما يسمعها فيأخذ في السؤال عن خصوصيات ما بشر به ليطمئن قلبه ويسكن اضطراب نفسه وهو مع ذلك على يقين من صدق ما بشر به فإن الخطورات النفسانية ربما لا تنقطع مع وجود العلم والإيمان وقد تقدم نظيره في تفسير قوله تعالى:"و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أ ولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي": البقرة: 260.

قوله تعالى:"قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا"جواب عما استفهمه واستفسره لتطيب به نفسه ، ويسكن جأشه ، وضمير قال راجع إليه تعالى ، وقوله:"كذلك"مقول القول وهو خبر مبتدإ محذوف والتقدير"هو كذلك"أي الأمر واقع على ما أخبرناك به في البشرى لا ريب فيه.

وقوله:"قال ربك هو علي هين"مقول ثان لقال الأول ، وهو بمنزلة التعليل لقوله:"كذلك"يرتفع به أي استعجاب فلا يتخلف عن إرادته مراد وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ، فخلق غلام من رجل بالغ في الكبر وامرأة عاقر هين سهل عليه.

وقد وقع التعبير عن هذا الاستفهام والجواب في سرد القصة من سورة آل عمران بقوله:"قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء": آل عمران: 40 ، فقوله: قال هو علي هين"هاهنا يحاذي قوله هناك:"الله يفعل ما يشاء"وهو يؤيد ما قدمناه من المعنى ، وقوله هاهنا:"و قد خلقتك من قبل ولم تك شيئا"بيان لبعض مصاديق الخلق الذي يرفع به الاستعجاب."

وفي الآية وجوه أخر تعرضوا لها: منها أن قوله:"كذلك"متعلق بقال الثاني ومجموع الجملة هو الجواب والمراد أمر ربك بذلك وقضى كذلك ، وقوله:"هو علي هين"مقول آخر للقول أو أنه جيء به على سبيل الحكاية.

ومنها أن الخطاب في قوله:"قال ربك"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا لزكريا (عليه السلام) وتلك وجوه لا يساعد عليها السياق.

قوله تعالى:"قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا"قد تقدم في القصة من سورة آل عمران أن إلقاء البشرى إلى زكريا كان بتوسط الملائكة"فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى"، وهو (عليه السلام) إنما سأل الآية ليتميز به الحق من الباطل فتدله على أن ما سمعه من النداء وحي ملكي لا إلقاء شيطاني ولذلك أجيب بآية إلهية لا سبيل للشيطان إليها وهو أن لا ينطلق لسانه ثلاثة أيام إلا بذكر الله سبحانه فإن الأنبياء معصومون بعصمة إلهية ليس للشيطان أن يتصرف في نفوسهم.

فقوله:"قال رب اجعل لي آية"سؤال لآية مميزة ، وقوله:"قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا"إجابة ما سأل ، وهو أن يعتقل لسانه ثلاثة أيام من غير ذكر الله وهو سوي أي صحيح سليم من غير مرض وآفة.

فالمراد بعدم تكليم الناس عدم القدرة على تكليمهم ، من قبيل إطلاق اللازم وإرادة الملزوم كناية ، والمراد بثلاث ليال ثلاث ليال بأيامها وهو شائع في الاستعمال فكان (عليه السلام) يذكر الله بفنون الذكر ولا يقدر على تكليم الناس إلا رمزا وإشارة ، والدليل على ذلك كله قوله تعالى في القصة من سورة آل عمران:"قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار": آل عمران: 41.

قوله تعالى:"فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا"قال في المجمع ،: وسمي المحراب محرابا لأن المتوجه إليه في صلاته كالمحارب للشيطان على صلاته ، والأصل فيه مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذبا عن أهله.

وقال: الإيحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفية بسرعة ، وأصله من قولهم: الوحى الوحى أي الإسراع الإسراع.

انتهى ومعنى الآية ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت