فهرس الكتاب

الصفحة 2820 من 4314

قوله تعالى:"يا يحيى خذ الكتاب بقوة"قد تكرر في كلامه تعالى ذكر أخذ الكتاب بقوة والأمر به كقوله:"فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها": الأعراف: 145 ، وقوله:"خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه": البقرة - 63 ، وقوله:"خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا": البقرة: 93 إلى غير ذلك من الآيات ، والسابق إلى الذهن من سياقها أن المراد من أخذ الكتاب بقوة التحقق بما فيه من المعارف والعمل بما فيه من الأحكام بالعناية والاهتمام.

وفي الكلام حذف وإيجاز رعاية للاختصار ، والتقدير: فلما وهبنا له يحيى قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة في جانبي العلم والعمل ، وبهذا المعنى يتأيد أن يكون المراد بالكتاب التوراة أو هي وسائر كتب الأنبياء فإن الكتاب الذي كان يشتمل على الشريعة يومئذ هو التوراة.

قوله تعالى:"و آتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة"فسر الحكم بالفهم وبالعقل وبالحكمة وبمعرفة آداب الخدمة وبالفراسة الصادقة وبالنبوة ، لكن المستفاد من مثل قوله تعالى:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة": الجاثية: 16 ، وقوله:"أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة": الأنعام: 89 ، وغيرهما من الآيات أن الحكم غير النبوة ، فتفسير الحكم بالنبوة ليس على ما ينبغي ، وكذا تفسيره بمعرفة آداب الخدمة أو بالفراسة الصادقة أو بالعقل إذ لا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى على شيء من ذلك.

نعم ربما يستأنس من مثل قوله:"يتلوا عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم": البقرة: 129 ، وقوله:"يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة": الجمعة: 2 - والحكمة بناء نوع من الحكم - أن المراد بالحكم العلم بالمعارف الحقة الإلهية وانكشاف ما هو تحت أستار الغيب بالنسبة إلى الأنظار العادية ولعله إليه مرجع تفسير الحكم بالفهم.

وعلى هذا يكون المعنى إنا أعطيناه العلم بالمعارف الحقيقية وهو صبي لم يبلغ الحلم بعد.

وقوله:"و حنانا من لدنا"معطوف على الحكم أي وأعطيناه حنانا من لدنا والحنان: العطف والإشفاق ، قال الراغب: ولكون الإشفاق لا ينفك من الرحمة عبر عن الرحمة بالحنان في قوله تعالى:"و حنانا من لدنا"ومنه قيل: الحنان المنان وحنانيك إشفاقا بعد إشفاق.

وفسر الحنان في الآية بالرحمة ولعل المراد بها النبوة أو الولاية كقول نوح (عليه السلام) :"و آتاني رحمة من عنده": هود: 28 ، وقول صالح:"و آتاني منه رحمة": هود: 63.

وفسر بالمحبة ولعل المراد بها محبة الناس له على حد قوله:"و ألقيت عليك محبة مني": طه: 39 ، أي كان لا يراه أحد إلا أحبه.

وفسر بتعطفه على الناس ورحمته ورقته عليهم فكان رءوفا بهم ناصحا لهم يهديهم إلى الله ويأمرهم بالتوبة ولذا سمي في العهد الجديد بيوحنا المعمد.

وفسر بحنان الله عليه كان إذا نادى ربه لباه الله سبحانه على ما في الخبر فيدل على أنه كان لله سبحانه حنان خاص به على ما يفيده تنكير الكلمة.

والذي يعطيه السياق وخاصة بالنظر إلى تقييد الحنان بقوله:"من لدنا"- والكلمة إنما تستعمل فيما لا مجرى فيه للأسباب الطبيعية العادية أو لا نظر فيه إليها - أن المراد به نوع عطف وانجذاب خاص إلهي بينه وبين ربه غير مألوف ، وبذلك يسقط التفسير الثاني والثالث ثم تعقبه بقوله:"زكاة"والأصل في معناه النمو الصالح ، وهو لا يلائم المعنى الأول كثير ملائمة فالمراد به إما حنان من الله سبحانه إليه بتولي أمره والعناية بشأنه وهو ينمو عليه ، وإما حنان وانجذاب منه إلى ربه فكان ينمو عليه ، والنمو نمو الروح.

ومن هنا يظهر وهن ما قيل: إن المراد بالزكاة البركة ومعناها كونه مباركا نفاعا معلما للخير ، وما قيل: إن المراد به الصدقة ، والمعنى وآتيناه الحكم حال كونه صدقة نتصدق به على الناس أو المعنى أنه صدقة من الله على أبويه أو المعنى أن الحكم المؤتى صدقة من الله عليه وما قيل: إن المراد بالزكاة الطهارة من الذنوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت