فهرس الكتاب

الصفحة 2822 من 4314

أقول: مضمون الرواية مروي بطرق من الشيعة وغيرهم ، واستدلالها (عليها السلام) مبني على كون المراد بالوراثة في الآية وراثة المال ، وقد تقدم الكلام في ذلك في بيان الآية ، وقد ورد من طرق أهل السنة بعض ما يدل على ذلك ففي الدر المنثور ، عن عدة من أصحاب الجوامع عن الحسن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يرحم الله أخي زكريا ما كان عليه من ورثة ، ويرحم الله أخي لوطا إن كان يأوي إلى ركن شديد ، وروي فيه ، أيضا عن الفاريابي عن ابن عباس قال: كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال:"رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب"قال: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة.

وقال في روح المعاني ،: مذهب أهل السنة أن الأنبياء (عليهم السلام) لا يرثون مالا ولا يورثون لما صح عندهم من الأخبار ، وقد جاء أيضا ذلك من طريق الشيعة فقد روى الكليني في الكافي ، عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: إن العلماء ورثة الأنبياء ، وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر ، وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعا باعتراف الشيعة.

والوراثة في الآية محمولة على ما سمعت ، ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في وراثة المال بل هي حقيقة فيما يعم وراثة العلم والمنصب والمال ، وإنما صارت لغلبة الاستعمال في عرف الفقهاء مختصة بالمال كالمنقولات العرفية.

ولو سلمنا أنها مجاز في ذلك فهو مجاز متعارف مشهور خصوصا في استعمال القرآن المجيد بحيث يساوي الحقيقة ، ومن ذلك قوله تعالى:"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا"، وقوله تعالى:"فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب"وقوله تعالى:"إن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم"، وقوله تعالى:"إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده"،"و لله ميراث السماوات والأرض".

قولهم: لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة.

قلنا: الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب ودون تأويله خرط القتاد ، والآثار الدالة على أنهم يورثون المال لا يعول عليها عند النقاد.

وزعم البعض أنه لا يجوز حمل الوراثة هنا على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله:"و اجعله رب رضيا"قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه ، وزعم أن كسبية الشيء تمنع من كونه موروثا ليس بشيء فقد تعلقت الوراثة بما ليس بكسبي في كلام الصادق.

ومن ذلك أيضا ما رواه الكليني في الكافي ، عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: إن سليمان ورث داود ، وإن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ورث سليمان (عليه السلام) فإن وراثة النبي سليمان لا يتصور أن تكون وراثة غير العلم والنبوة ونحوهما انتهى.

وللبحث جهة كلامية ترجع إلى أمر فدك وهي من قرى خيبر وقد كانت في يد فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فانتزعها من يدها الخليفة الأول استنادا إلى حديث رواها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أن الأنبياء لا يورثون مالا وما تركوه صدقة ، وقد طالت المشاجرة فيه بين متكلمي الشيعة وأهل السنة وهو نوع بحث خارج عن غرض هذا الكتاب فلا نتعرض له ، وجهة تفسيرية يهمنا التعرض لها لتعلقها بمدلول قوله تعالى:"و إني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا".

أما قوله: وقد جاء ذلك أيضا من طريق الشيعة إلخ ، فالرواية في ذلك غير منحصرة فيما نقله عن الصادق (عليه السلام) بل روي ما في مضمونها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا من طريقهم ، ومعناه - على ما يسبق إلى ذهن كل سامع - أن الأنبياء ليس من شأنهم أن يهتموا بجمع المال وتركه لمن خلفهم من الورثة وإنما الذي من شأنهم أن يتركوا لمن خلفهم الحكمة ، وهذا معنى سائغ واستعمال شائع لا سبيل إلى دفعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت