و أما قوله: ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في وراثة المال إلى آخر ما ذكره فليس الكلام في كونه حقيقة لغوية في شيء أو مجازا مشهورا أو غير مشهور ولا إصرار على شيء من ذلك ، وإنما الكلام في أن الوراثة سواء كانت حقيقة في وراثة المال مجازا في مثل العلم والحكمة أو حقيقة مشتركة بين ما يتعلق بالمال وما يتعلق بمثل العلم والحكمة تحتاج في إرادة وراثة العلم والحكمة إلى قرينة صارفة أو معينة وسياق الآية وسائر آيات القصة في سورتي آل عمران والأنبياء والقرائن الحافة بها تأبى إرادة وراثة العلم ونحوه من لفظة يرثني فضلا أن يصرف عنها أو يعينها على ما قدمنا توضيحه في بيان الآية.
نعم لا يصح تعلق الوراثة بالنبوة على ما يتحصل من تعليم القرآن أنها موهبة إلهية لا تقبل الانتقال والتحول ، ولا ريب أن الترك والانتقال مأخوذ في مفهوم الوراثة كوراثة المال والملك والمنصب والعلم ونحو ذلك ولذا لم يرد استعمال الوراثة في النبوة والرسالة في كتاب ولا سنة.
وأما قوله:"قلنا الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب"ففيه اعتراف بأن لا قرينة على إرادة غير المال من لفظة يرثني من جهة سياق الآيات بل الأمر بالعكس وإنما اضطرهم إلى الحمل المذكور حفظ ظاهر الحديث لصحته عندهم وفيه أنه لا معنى لتوقف كلامه تعالى في الدلالة الاستعمالية على قرينة منفصلة وخاصة من غير كلامه تعالى وخاصة مع احتفاف الكلام بقرائن مخالفة ، وهذا غير تخصيص روايات الأحكام وتقييدها لعمومات آيات الأحكام ومطلقاتها ، فإن ذلك تصرف في محصل المراد من الخطاب لا في دلالة اللفظ بحسب الاستعمال.
على أنه لا معنى لحجية أخبار الآحاد في غير الأحكام الشرعية التي ينحصر فيها الجعل التشريعي لا سيما مع مخالفة الكتاب وهذه كلها أمور مبينة في علم الأصول.
وأما قوله:"قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه"يشير إلى أخذ قوله:"و اجعله رب رضيا"تأكيدا لقوله:"وليا يرثني"أي في النبوة أو أخذ قوله: رضيا ، بمعنى المرضي عند الناس دفعا للغو الكلام وقد قدمنا في بيان الآية ما يعلم منه ما فيه.
وفي تفسير العياشي ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن زكريا لما دعا ربه أن يهب له ذكرا فنادته الملائكة بما نادته به أحب أن يعلم أن ذلك الصوت من الله أوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام. قال: لما أمسك لسانه ولم يتكلم علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله.
الحديث.
وفي تفسير النعماني ، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سألوه عن معنى الوحي فقال: منه وحي النبوة ومنه وحي الإلهام ومنه وحي الإشارة وساقه إلى أن قال وأما وحي الإشارة فقوله عز وجل:"فخرج على قومه من المحراب - فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا"أي أشار إليهم كقوله تعالى:"لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا".
وفي المجمع ،: عن معمر قال: إن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب قال: ما للعب خلقنا ، فأنزل الله تعالى:"و آتيناه الحكم صبيا": وروي ذلك عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) .
أقول: وروي في الدر المنثور ، هذا المعنى عن ابن عساكر عن معاذ بن جبل مرفوعا ، وروي أيضا ما في معناه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي الكافي ، بإسناده عن علي بن أسباط قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) وقد خرج إلي فأجدت النظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر فبينا أنا كذلك حتى قعد فقال: يا علي إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال:"و آتيناه الحكم صبيا""و لما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة"فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي ، ويجوز أن يؤتى الحكمة وهو ابن أربعين سنة.
أقول: وفي الرواية تفسير الحكم بالحكمة فتؤيد ما قدمناه.
وفي الدر المنثور ، أخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة:"في قوله:"و لم يكن جبارا عصيا"قال: كان سعيد بن المسيب يقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا. قال قتادة: وقال الحسن: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أذنب يحيى بن زكريا قط ولا هم بامرأة."