فهرس الكتاب

الصفحة 2833 من 4314

قوله تعالى:"فناداها من تحتها ألا تحزني"إلى آخر الآيتين ظاهر السياق أن ضمير الفاعل في"ناداها"لعيسى (عليه السلام) لا للروح السابق الذكر ، ويؤيده تقييده بقوله:"من تحتها"فإن هذا القيد أنسب لحال المولود مع والدته حين الوضع منه لحال الملك المنادي مع من يناديه ، ويؤيده أيضا احتفافه بالضمائر الراجعة إلى عيسى (عليه السلام) .

وقيل: الضمير للروح وأصلح كون الروح تحتها بأنها كانت حين الوضع في أكمة وكان الروح واقفا تحت الأكمة فناداها من تحتها ، ولا دليل على شيء من ذلك من جهة اللفظ.

ولا يبعد أن يستفاد من ترتب قوله:"فناداها"على قوله:"قالت يا ليتني"إلخ ، أنها إنما قالت هذه الكلمة حين الوضع أو بعده فعقبها (عليه السلام) بقوله: لا تخزني ، إلخ.

وقوله:"ألا تحزني"تسلية لها لما أصابها من الحزن والغم الشديد فإنه لا مصيبة هي أمر وأشق على المرأة الزاهدة المتنسكة وخاصة إذا كانت عذراء بتولا من أن تتهم في عرضها وخاصة إذا كانت من بيت معروف بالعفة والنزاهة في حاضر حاله وسابق عهده وخاصة إذا كانت تهمة لا سبيل لها إلى الدفاع عن نفسها وكانت الحجة للخصم عليها ، ولذا أشار أن لا تتكلم مع أحد وتكفل هو الدفاع عنها وتلك حجة لا يدفعها دافع.

وقوله:"قد جعل ربك تحتك سريا"السري جدول الماء ، والسري هو الشريف الرفيع ، والمعنى الأول هو الأنسب للسياق ، ومن القرينة عليه قوله: بعد:"فكلي واشربي"كما لا يخفى.

وقيل: المراد هو المعنى الثاني ومصداقه عيسى (عليه السلام) ، وقد عرفت أن السياق لا يساعد عليه ، وعلى أي تقدير الجملة إلى آخر كلامه تطييب لنفس مريم (عليها السلام) .

وقوله:"و هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا"الهز هو التحريك الشديد ، ونقل عن الفراء أن العرب تقول: هزه وهز به ، والمساقطة هي الإسقاط ، وضمير"تساقط"للنخلة ، ونسبة الهز إلى الجذع والمساقطة إلى النخلة لا تخلو من إشعار بأن النخلة كانت يابسة وإنما اخضرت وأورقت وأثمرت رطبا جنيا لساعتها ، والرطب هو نضيج البسر ، والجني هو المجني وذكر في القاموس - على ما نقل - أن الجني إنما يقال لما جني من ساعته.

قوله تعالى:"فكلي واشربي وقري عينا"قرار العين كناية عن المسرة يقال: أقر الله عليك أي سرك ، والمعنى: فكلي من الرطب الجني الذي تسقط واشربي من السري الذي تحتك وكوني على مسرة من غير أن تحزني ، والتمتع بالأكل والشرب من أمارات السرور والابتهاج فإن المصاب في شغل من التمتع بلذيذ الطعام ومريء الشراب ومصيبته شاغلة ، والمعنى: فكلي من الرطب الجني واشربي من السري وكوني على مسرة - مما حباك الله به - من غير أن تحزني ، وأما ما تخافين من تهمة الناس ومساءلتهم فالزمي السكوت ولا تكلمي أحدا فأنا أكفيكهم.

قوله تعالى:"فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا"المراد بالصوم صوم الصمت كما يدل عليه التفريع الذي في قوله:"فلن أكلم اليوم إنسيا"وكذا يستفاد من السياق أنه كان أمرا مسنونا في ذلك الوقت ولذا أرسل عذرا إرسال المسلم ، والإنسي منسوب إلى الإنس مقابل الجن والمراد به الفرد من الإنسان.

وقوله:"فإما ترين"إلخ ، ما زائدة والأصل إن ترى بشرا فقولي إلخ ، والمعنى: إن ترى بشرا وكلمك أو سألك عن شأن الولد فقولي إلخ ، والمراد بالقول التفهيم بالإشارة فربما يسمى التفهيم بالإشارة قولا ، وعن الفراء أن العرب تسمي كل ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام.

وليس ببعيد أن يستفاد من قوله:"فقولي إني نذرت للرحمن صوما"بمعونة السياق أنه أمرها أن تنوي الصوم لوقتها وتنذره لله على نفسها فلا يكون إخبارا بما لا حقيقة له.

وقوله:"فإما ترين إلخ ، على أي حال متفرع على قوله:"و قري عينا"والمراد لا تكلمي بشرا ولا تجيبي أحدا سألك عن شأني بل ردي الأمر إلي فأنا أكفيك جواب سؤالهم وأدافع خصامهم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت