قوله تعالى:"فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم أنى لك هذا لقد جئت شيئا فريا"الضميران في"به"و"تحمله"لعيسى ، والاستفهام إنكاري حملهم عليه ما شاهدوه عن عجيب أمرها مع ما لها من سابقة الزهد والاحتجاب وكانت ابنة عمران ومن آل هارون القديس ، والفري هو العظيم البديع وقيل: هو من الافتراء بمعنى الكذب كناية عن القبيح المنكر والآية التالية تؤيد المعنى الأول ، ومعنى الآية واضح.
قوله تعالى:"يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا"ذكر في المجمع ، أن في المراد من هارون أربعة أقوال: أحدها: أنه كان رجلا صالحا من بني إسرائيل ينسب إليه كل صالح وعلى هذا فالمراد بالأخوة الشباهة ومعنى"يا أخت هارون"يا شبيهة هارون ، والثاني: أنه كان أخاها لأبيها لا من أمها ، والثالث: أن المراد به هارون أخو موسى الكليم وعلى هذا فالمراد بالأخوة الانتساب كما يقال: أخو تميم ، والرابع: أنه كان رجلا معروفا بالعهر والفساد انتهى ملخصا والبغي الزانية ، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا"إشارتها إليه إرجاع لهم إليه حتى يجيبهم ويكشف لهم عن حقيقة الأمر ، وهو جرى منها على ما أمرها به حينما ولد بقوله:"فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا على ما تقدم البحث عنه."
والمهد السرير الذي يهيأ للصبي فيوضع فيه وينوم عليه ، وقيل: المراد بالمهد في الآية حجر أمه ، وقيل المرباة أي المرجحة ، وقيل المكان الذي استقر عليه كل ذلك لأنها لم تكن هيئت له مهدا ، والحق أن الآية ظاهرة في ذلك ولا دليل على أنها لم تكن هيئت وقتئذ له مهدا فلعل الناس هجموا عليها وكلموها بعد ما رجعت إلى بيتها واستقرت فيه وهيئت له مهدا أو مرجحة وتسمى أيضا مهدا.
وقد استشكلت الآية بأن الإتيان بلفظة كان مخل بالمعنى فإن ما يقتضيه المقام هو أن يستغربوا تكليم من هو في المهد صبي لا تكليم من كان في المهد صبيا قبل ذلك فكل من يكلمه الناس من رجل أو امرأة كان في المهد صبيا قبل التكليم بحين ولا استغراب فيه.
وأجيب عنه أولا أن الزمان الماضي منه بعيد ومنه قريب يلي الحال وإنما يفسد المعنى لو كان مدلول كان في الآية هو الماضي البعيد ، وأما لو كان هو القريب المتصل بالحال وهو زمان التكليم فلا محذور فساد فيه.
والوجه للزمخشري في الكشاف ، .
وفيه أنه وإن دفع الإشكال غير أنه لا ينطبق على نحو إنكارهم فإنهم إنما كانوا ينكرون تكليمه وتكلمه من جهة أنه صبي في المهد بالفعل لا من جهة أنه كان قبل زمان يسير صبيا في المهد فيكون"كان زائدا مستدركا."
وأجيب عنه ثانيا: بأن قوله:"كيف نكلم"لحكاية الحال الماضية و"من"موصولة والمعنى كيف نكلم الموصوفين بأنهم في المهد أي لم نكلمهم إلى الآن حتى نكلم هذا.
وهذا الوجه أيضا للزمخشري في الكشاف ، .
وفيه أنه وإن استحسنه غير واحد لكنه معنى بعيد عن الفهم!.
وأجيب عنه ثالثا أن كان زائد للتأكيد من غير دلالة على الزمان ، و"من كان في المهد"مبتدأ وخبر ، وصبيا حال مؤكدة.
وفيه أنه لا دليل عليه ، على أنه زيادة موجبة للالتباس من غير ضرورة على أنه قيل إن:"كان"الزائدة تدل على الزمان وإن لم تدل على الحدث.
وأجيب عنه رابعا بأن"من"في الآية شرطية و"كان في المهد صبيا"شرطها وقوله:"كيف نكلم"في محل الجزاء والمعنى من كان في المهد صبيا لا يمكن تكليمه والماضي في الجملة الشرطية بمعنى المستقبل فلا إشكال.
وفيه أنه تكلف ظاهر.
ويمكن أن يقال: إن"كان"منعزلة عن الدلالة على الزمان لما في الكلام من معنى الشرط والجزاء فإنه في معنى من كان صبيا لا يمكن تكليمه أو إن كان جيء بها للدلالة على ثبوت الوصف لموصوفه ثبوتا يقضي مضيه عليه وتحققه فيه ولزومه له كقوله تعالى:"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": الإسراء: 93 أي إن البشرية والرسالة تحققا في فلا يسعني ما لا يسع البشر الرسول ، وقوله تعالى:"و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا": الإسراء: 63 أي إن النصرة لازمة له بجعلنا لزوم الوصف الماضي لموصوفه ويكون المعنى كيف نكلم صبيا في المهد ممعنا في صباه من شأنه أنه لبث وسيلبث في صباه برهة من الزمان.