فهرس الكتاب

الصفحة 2835 من 4314

و الله أعلم.

قوله تعالى:"قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا"شروع منه (عليه السلام) في الجواب ولم يتعرض لمشكلة الولادة التي كانوا يكرون بها على مريم (عليها السلام) لأن نطقه على صباه وهو آية معجزة وما أخبر به من الحقيقة لا يدع ريبا لمرتاب في أمره على أنه سلم في آخر كلامه على نفسه فشهد بذلك على نزاهته وأمنة من كل قذارة وخباثة ومن نزاهته طهارة مولده.

وقد بدأ بقوله:"إني عبد الله"اعترافا بالعبودية لله ليبطل به غلو الغالين وتتم الحجة عليهم ، كما ختمه بمثل ذلك إذ يقول:"و إن الله ربي وربكم فاعبدوه".

وفي قوله:"آتاني الكتاب"إخبار بإعطاء الكتاب والظاهر أنه الإنجيل ، وفي قوله:"و جعلني نبيا"إعلام بنبوته ، وقد تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب الفرق بين النبوة والرسالة ، فقد كان يومئذ نبيا فحسب ثم اختاره الله للرسالة ، وظاهر الكلام أنه كان أوتي الكتاب والنبوة لا أن ذلك إخبار بما سيقع.

قوله تعالى:"و جعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا"كونه (عليه السلام) مباركا أينما كان هو كونه محلا لكل بركة والبركة نماء الخير كان نفاعا للناس يعلمهم العلم النافع ويدعوهم إلى العمل الصالح ويربيهم تربية زاكية ويبرىء الأكمه والأبرص ويصلح القوي ويعين الضعيف.

وقوله:"و أوصاني بالصلاة والزكاة"إلخ ، إشارة إلى تشريع الصلاة والزكاة في شريعته ، والصلاة هي التوجه العبادي الخاص إلى الله سبحانه والزكاة الإنفاق المالي وهذا هو الذي استقر عليه عرف القرآن كلما ذكر الصلاة والزكاة وقارن بينهما وذلك في نيف وعشرين موضعا فلا يعتد بقول من قال: إن المراد بالزكاة تزكية النفس وتطهيرها دون الإنفاق المالي.

قوله تعالى:"و برا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا"أي جعلني حنينا رءوفا بالناس ومن ذلك أني بر بوالدتي ولست جبارا شقيا بالنسبة إلى سائر الناس ، والجبار هو الذي يحمل الناس ولا يتحمل منهم ، ونقل عن ابن عطاء أن الجبار الذي لا ينصح والشقي الذي لا ينتصح.

قوله تعالى:"و السلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا"تسليم منه على نفسه في المواطن الثلاثة الكلية التي تستقبله في كونه ووجوده ، وقد تقدم توضيحه في آخر قصة يحيى المتقدمة.

نعم بين التسليمتين فرق ، فالسلام في قصة يحيى نكرة يدل على النوع ، وفي هذه القصة محلى بلام الجنس يفيد بإطلاقه الاستغراق ، وفرق آخر وهو أن المسلم على يحيى هو الله سبحانه وعلى عيسى هو نفسه.

قوله تعالى:"ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون"الظاهر أن هذه الآية والتي تليها معترضتان ، والآية الثالثة:"و إن الله ربي وربكم"من تمام قول عيسى (عليه السلام) .

وقوله:"ذلك عيسى ابن مريم"الإشارة فيه إلى مجموع ما قص من أمره وشرح من وصفه أي ذلك الذي ذكرنا كيفية ولادته وما وصفه هو للناس من عبوديته وإيتائه الكتاب وجعله نبيا هو عيسى بن مريم.

وقوله:"قول الحق"منصوب بمقدر أي أقول قول الحق ، وقوله:"الذي فيه يمترون"أي يشكون أو يتنازعون ، وصف لعيسى ، والمعنى: ذلك عيسى بن مريم الذي يشكون أو يتنازعون فيه.

وقيل: المراد بقول الحق كلمة الحق وهو عيسى (عليه السلام) لأن الله سبحانه سماه كلمته في قوله:"و كلمته ألقاها إلى مريم": النساء: 171 وقوله:"يبشرك بكلمة منه": آل عمران: 45 ، وقوله:"بكلمة من الله": آل عمران: 39 ، وعليه فقول الحق منصوب على المدح ، ويؤيد المعنى الأول قوله تعالى في هذا المعنى في آخر القصة من سورة آل عمران:"الحق من ربك فلا تكن من الممترين": آل عمران: 60.

قوله تعالى:"ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون"نفي وإبطال لما قالت به النصارى من بنوة المسيح ، وقوله:"إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن"حجة أقيمت على ذلك ، وقد عبر بلفظ القضاء للدلالة على ملاك الاستحالة.

وذلك أن الولد إنما يراد للاستعانة به في الحوائج ، والله سبحانه غني عن ذلك لا يتخلف مراد عن إرادته إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت