فهرس الكتاب

الصفحة 2842 من 4314

قوله تعالى:"قال أ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا"الرغبة عن الشيء نقيض الرغبة فيه كما في المجمع ، والانتهاء: الكف عن الفعل بعد النهي ، والرجم: الرمي بالحجارة ، والمعروف من معناه القتل برمي الحجارة ، والهجر هو الترك والمفارقة ، والملي: الدهر الطويل.

وفي الآية تهديد لإبراهيم بأخزى القتل وأذله وهو الرجم الذي يقتل به المطرودون ، وفيها طرد آزر لإبراهيم عن نفسه.

قوله تعالى:"قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا"الحفي على ما ذكره الراغب: البر اللطيف وهو الذي يتتبع دقائق الحوائج فيحسن ويرفعها واحدا بعد واحد ، يقال: حفا يحفو حفى وحفوة ، وإحفاء السؤال والإحفاء فيه: الإلحاح والإمعان فيه.

قابل إبراهيم (عليه السلام) أباه فيما أساء إليه وهدده وفيه سلب الأمن عنه من قبله بالسلام الذي فيه إحسان وإعطاء أمن ، ووعده أن يستغفر له ربه وأن يعتزلهم وما يدعون من دون الله كما أمره أن يهجره مليا.

أما السلام فهو من دأب الكرام قابل به جهالة أبيه إذ هدده بالرجم وطرده لكلمة حق قالها ، قال تعالى:"و إذا مروا باللغو مروا كراما": الفرقان: 72 ، وقال:"و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما": الفرقان: 63 ، وأما ما قيل: إنه كان سلام توديع وتحية مفارقة وهجرة امتثالا لقوله:"و اهجرني مليا"ففيه أنه اعتزله وقومه بعد مدة غير قصيرة.

وأما استغفاره لأبيه وهو مشرك فظاهر قوله:"يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا"إنه (عليه السلام) لم يكن وقتئذ قاطعا بكونه من أولياء الشيطان أي مطبوعا على قلبه بالشرك جاحدا معاندا للحق عدوا لله سبحانه ولو كان قاطعا لم يعبر بمثل قوله:"إني أخاف"بل كان يحتمل أن يكون جاهلا مستضعفا لو ظهر له الحق اتبعه ، ومن الممكن أن تشمل الرحمة الإلهية لأمثال هؤلاء قال تعالى:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا": النساء: 99 ، فاستعطفه (عليه السلام) بوعد الاستغفار ولم يحتم له المغفرة بل أظهر الرجاء بدليل قوله:"إنه كان بي حفيا"وقوله تعالى:"إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء: الممتحنة - 4."

ويؤيد ما ذكر قوله تعالى:"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم": التوبة: 114 ، فتبريه بعد تبين عداوته دليل على أنه كان قبل ذلك عند الموعدة يرجو أن يكون غير عدو لله مع كونه مشركا ، وليس ذلك إلا الجاهل غير المعاند.

ويؤيد هذا النظر قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة - إلى أن قال - لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"إلخ ،: الممتحنة: 8.

ومما قيل في توجيه استغفاره لأبيه وهو مشرك أنه وعده الاستغفار واستغفر له بمقتضى العقل فإن العقل لا يأبى عن تجويزه وإنما منع منه النقل ولم يثبت يومئذ المنع عنه شرعا ثم لما حرم ذلك في شرعه تبرأ منه.

وفيه: أنه لا ينطبق على آيات القصة كما يظهر بالتأمل فيما قدمناه.

ومنها: أن معنى استغفاره كان مشروطا بتوبته وإيمانه.

وهو كما ترى.

ومنها: أن معنى"سأستغفر لك ربي"سأدعو الله أن لا يعذبك في الدنيا.

وهو كسابقه تقييد من غير مقيد.

ومنها: أنه وعد الدعاء بالمسبب وهو بالاستلزام وعد للدعاء بالسبب فمعنى سأسأل الله أن يغفر لك ، سأسأله أن يوفقك للتوبة ويهديك للإيمان فيغفر لك ، ويمكن أن يجعل طلب المغفرة كناية عن طلب توفيق التوبة والهداية إلى الإيمان.

وهذا وإن كان أعدل الوجوه لكنه لا يخلو عن بعد لأن في الكلام استعطافا وهو بطلب المغفرة أنسب منه بطلب التوفيق والهداية ، تأمل فيه.

ونظير دعائه لأبيه دعاؤه لعامة المشركين في قوله:"و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم": إبراهيم: 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت