فهرس الكتاب

الصفحة 2859 من 4314

و فيه أن استعماله في مثل قوله:"و لما ورد ماء مدين"وقوله:"فأرسلوا واردهم"في الحضور بعلاقة الإشراف لا ينافي استعماله في الدخول على نحو الحقيقة كما ادعي في آيات أخرى ، وأما قوله:"أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها"فمن الجائز أن يكون الإبعاد بعد الدخول كما يستظهر من قوله:"ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها"، وأن يحجب الله بينهم وبين أن يسمعوا حسيسها إكراما لهم كما حجب بين إبراهيم وبين حرارة النار إذ قال للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم.

وقال آخرون ولعلهم أكثر المفسرين بدلالة الآية على دخولهم النار استنادا إلى مثل قوله تعالى:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها": الأنبياء: 99 ، وقوله في فرعون:"يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار": هود: 98 ، ويدل عليه قوله في الآية التالية:"ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا"أي نتركهم باركين على ركبهم وإنما يقال نذر ونترك فيما إذا كان داخلا مستقرا في المحل قبل الترك ثم أبقي على ما هو عليه ولعدة من الروايات الواردة في تفسير الآية.

وهؤلاء بين من يقول بدخول عامة الناس فيها ومن يقول بدخول غير المتقين مدعيا أن قوله:"منكم"بمعنى منهم على حد قوله:"و سقاهم ربهم شرابا طهورا ، إن هذا كان لكم جزاء": الدهر: 22 ، هذا ولكن لا يلائمه سياق قوله:"ثم ننجي الذين اتقوا"الآية.

وفيه أن كون الورود في مثل قوله:"لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها"بمعنى الدخول ممنوع بل الأنسب كونه بمعنى الحضور والإشراف فإنه أبلغ كما هو ظاهر وكذا في قوله:"فأوردهم النار"فإن شأن فرعون وهو من أئمة الضلال هو أن يهدي قومه إلى النار وأما إدخالهم فيها فليس إليه.

وأما قوله:"ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها"فالآية دالة على كونهم داخلين فيها بدليل قوله:"نذر"لكن دلالتها على كونهم داخلين غير كون قوله"واردها"مستعملا في معنى الدخول وكذا تنجية المتقين لا تستلزم كونهم داخلين فيها فإن التنجية كما تصدق مع إنقاذ من دخل المهلكة تصدق مع إبعاد من أشرف على الهلاك وحضر المهلكة من ذلك.

وأما الروايات فإنما وردت في شرح الواقعة لا في تشخيص ما استعمل فيه لفظ"واردها"في الآية فالاستدلال بها على كون الورود بمعنى الدخول ساقط.

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد شأنية الدخول والمعنى: ما من أحد منكم إلا من شأنه أن يدخل النار وإنما ينجو من ينجو بإنجاء الله على حد قوله:"و لو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21.

قلت: معناه كون الورود مقتضى طبع الإنسان من جهة أن ما يناله من خير وسعادة فمن الله ولا يبقى له من نفسه إلا الشر والشقاء لكن ينافيه ما في ذيل الآية من قوله:"كان على ربك حتما مقضيا"فإنه صريح في أن هذا الورود بإيراد من الله وبقضائه المحتوم لا باقتضاء من طبع الأشياء.

والحق أن الورود لا يدل على أزيد من الحضور والإشراف عن قصد - على ما يستفاد من كتب اللغة - فقوله:"و إن منكم إلا واردها"إنما يدل على القصد والحضور والإشراف ، ولا ينافي دلالة قوله في الآية التالية:"ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا"على دخولهم جميعا أو دخول الظالمين خاصة فيها بعد ما وردوها.

وقوله:"كان على ربك حتما مقضيا"ضمير كان للورود أو للجملة السابقة باعتبار أنه حكم ، والحتم والجزم والقطع بمعنى واحد أي هذا الورود أو الحكم كان واجبا عليه تعالى مقضيا في حقه وإنما قضى ذلك نفسه على نفسه إذ لا حاكم يحكم عليه.

قوله تعالى:"ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا"قد تقدمت الإشارة إلى أن قوله:"و نذر الظالمين فيها"يدل على كون الظالمين داخلين فيها ثم يتركون على ما كانوا عليه ، وأما تنجية الذين اتقوا فلا تدل بلفظها على كونهم داخلين إذ التنجية ربما تحققت بدونه اللهم إلا أن يستظهر ذلك من ورود اللفظين مقترنين في سياق واحد.

وفي التعبير بلفظ الظالمين إشارة إلى علية الوصف للحكم.

ومعنى الآيتين: ما من أحد منكم - متق أو ظالم - إلا وهو سيرد النار كان هذا الإيراد واجبا مقضيا على ربك ثم ننجي الذين اتقوا منها ونترك الظالمين فيها لظلمهم باركين على ركبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت