فهرس الكتاب

الصفحة 2878 من 4314

و في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن علي قال: لما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا"قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع رجلا فهبط عليه جبريل فقال:"طه"يعني الأرض بقدميك يا محمد"ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"وأنزل"فاقرءوا ما تيسر من القرآن".

أقول: والمظنون المطابق للاعتبار أن تكون هذه الرواية هي الأصل في القصة بأن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام على قدميه في الصلاة حتى تورمت قدماه ثم جعل يرفع قدما ويضع أخرى أو قام على صدور قدميه أو أطراف أصابعه فذكر في كل من الروايات بعض القصة سببا للنزول وإن كان لفظ بعض الروايات لا يساعد على ذلك كل المساعدة.

نعم يبقى على الرواية أمران: أحدهما: أن في انطباق الآيات بما لها من السياق على القصة خفاء.

وثانيهما: ما في الرواية من قوله:"فقال طه يعني الأرض بقدميك يا محمد"ونظيره ما مر في رواية القمي"فأنزل الله: طه بلغة طي يا محمد ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"ومعناه أن طه جملة كلامية مركبة من فعل أمر من وطأ يطأ ومفعوله ضمير تأنيث راجع إلى الأرض ، أي طإ الأرض وضع قدميك عليها ولا ترفع إحداهما وتضع الأخرى.

فيرد عليه حينئذ أن هذا الذيل لا ينطبق على صدر الرواية فإن مفاد الصدر أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع رجلا ويضع أخرى في الصلاة إثر تورم قدميه يتوخى به أن يسكن وجع قدمه التي كان يرفعها فيستريح هنيئة ويشتغل بربه من غير شاغل يشغله وعلى هذا فرفع الكلفة والتعب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما يناسب الحال إنما هو بأن يؤمر بتقليل الصلاة أو بتخفيف القيام لا بوضع القدمين على الأرض حتى يزيد ذلك في تعبه ويشدد وجعه فلا يلائم قوله"طه"قوله:"ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"ولعل قوله:"يعني الأرض بقدميك"من كلام الراوي والنقل بالمعنى.

على أنه مغاير للقراءات المأثورة البانية على كون"طه"حرفين مقطعتين لا معنى وضعي لهما كسائر الحروف المقطعة التي صدرت بها عدة من السور القرآنية.

وذكر قوم منهم أن معنى"طه"يا رجل ثم قال بعضهم: إنه لغة نبطية وقيل: حبشية ، وقيل: عبرانية ، وقيل: سريانية ، وقيل: لغة عكل ، وقيل: لغة عك ، وقيل: هو لغة قريش ، واحتمل الزمخشري أن يكون لغة عك وأصله يا هذا قلبت الياء طاء وحذفت ذا تخفيفا فصارت طاها ، وقيل: معناه يا فلان ، وقرأ قوم طه بفتح الطاء وسكون الهاء كأنه أمر من وطأ يطأ والهاء للسكت وقيل: إنه من أسماء الله ولا عبرة بشيء من هذه الأقوال ولا جدوى في إمعان البحث عنها.

نعم ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) كما في روح المعاني ، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) كما عن معاني الأخبار ، بإسناده عن الثوري: أن طه اسم من أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في روايات أخرى: أن يس من أسمائه وروى الاسمين معا في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن سيف عن أبي جعفر.

وإذ كانت تسمية سماوية ما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعى ولا يعرف به قبل نزول القرآن ولا أن لطه معنى وصفيا في اللغة ولا معنى لتسميته بعلم ارتجالي لا معنى له إلا الذات مع وجود اسمه واشتهاره به وكان الحق في الحروف المقطعة في فواتح السور أنها تحمل معاني رمزية ألقاها الله إلى رسوله ، وكانت سورة طه مبتدئة بخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "طه ما أنزلنا عليك"إلخ كما أن سورة يس كذلك"يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين"بخلاف سائر السور المفتتحة بالحروف المقطعة وظاهر ذلك أن يكون المعنى المرموز إليه بمقطعات فاتحتي هاتين السورتين أمرا راجعا إلى شخصه (صلى الله عليه وآله وسلم) متحققا به بعينه فكان وصفا لشخصيته الباطنة مختصا به فكان اسما من أسمائه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا أطلق عليه وقيل: طه أو يس كان المعنى من خوطب بطه أو يس ثم صار علما بكثرة الاستعمال.

هذا ما تيسر لنا من توجيه الرواية فيكون بابه باب التسمي بمثل تأبط شرا ومن قبيل قوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.

إذا أضع العمامة تعرفوني.

يريد أنا ابن من كثر فيه قول الناس: جلا جلا حتى سمي جلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت