فهرس الكتاب

الصفحة 2884 من 4314

قوله تعالى:"إذ رءا نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا"إلى آخر الآية المكث اللبث ، والإيناس إبصار الشيء أو وجدانه وهو من الأنس خلاف النفور ولذا قيل: إنه إبصار شيء يؤنس به فيكون إبصارا قويا ، والقبس بفتحتين هو الشعلة المقتبسة على رأس عود ونحوه والهدى مصدر بمعنى اسم الفاعل أو مضاف إليه لمضاف مقدر أي ذا هداية ، والمراد - على أي حال - من قام به الهداية.

وسياق الآية وما يتلوها يشهد أنه كان في منصرفه من مدين إلى مصر ومعه أهله وهم بالقرب من وادي طوى في طور سيناء في ليلة شاتية مظلمة وقد ضلوا الطريق إذ رأى نارا فرأى أن يذهب إليها فإن وجد عندها أحدا سأله الطريق وإلا أخذ قبسا من النار ليضرموا به نارا فيصطلوا بها.

وفي قوله:"قال لأهله امكثوا"إشعار بل دلالة على أنه كان مع أهله غيره كما أن في قوله:"إني آنست نارا"مع ما يشتمل عليه من التأكيد والتعبير بالإيناس دلالة على أنه إنما رآها هو وحده وما كان يراها غيره من أهله ويؤيد ذلك قوله أيضا أولا:"إذ رءا نارا"، وكذا قوله:"لعلي آتيكم"إلخ يدل على أن في الكلام حذفا والتقدير امكثوا لأذهب إليها لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هاديا نهتدي بهداه.

قوله تعالى:"فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك - إلى قوله - طوى"طوى اسم لواد بطور وهو الذي سماه الله سبحانه بالواد المقدس ، وهذه التسمية والتوصيف هي الدليل على أن أمره بخلع النعلين إنما هو لاحترام الوادي أن لا يداس بالنعل ثم تفريع خلع النعلين مع ذلك على قوله:"إني أنا ربك"يدل على أن تقديس الوادي إنما هو لكونه حظيرة لقرب وموطن الحضور والمناجاة فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا نودي يا موسى ها أنا ذا ربك وأنت بمحضر مني وقد تقدس الوادي بذلك فالتزم شرط الأدب واخلع نعليك.

وعلى هذا النحو يقدس ما يقدس من الأمكنة والأزمنة كالكعبة المشرفة والمسجد الحرام وسائر المساجد والمشاهد المحترمة في الإسلام والأعياد والأيام المتبركة فإنما ذلك قدس وشرف اكتسبته بالانتساب إلى واقعة شريفة وقعت فيها أو نسك وعبادة مقدسة شرعت فيها وإلا فلا تفاضل بين أجزاء المكان ولا بين أجزاء الزمان.

ولما سمع موسى (عليه السلام) قوله تعالى:"يا موسى إني أنا ربك"فهم من ذلك فهم يقين أن الذي يكلمه هو ربه والكلام كلامه وذلك أنه كان وحيا منه تعالى وقد صرح تعالى بقوله:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء": الشورى: 51 ، أن لا واسطة بينه تعالى وبين من يكلمه من حجاب أو رسول إذا كان تكليم وحي وإذ لم يكن هناك أي واسطة مفروضة لم يجد الموحى إليه مكلما لنفسه ولا توهمه إلا الله ولم يجد الكلام إلا كلامه ولو احتمل أن يكون المتكلم غيره أو الكلام كلام غيره لم يكن تكليما ليس بين الإنسان وبين ربه غيره.

وهذا حال النبي والرسول في أول ما يوحى إليه بالنبوة والرسالة لم يختلجه شك ولا اعترضه ريب في أن الذي يوحي إليه هو الله سبحانه من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجة ولو افتقر إلى شيء من ذلك كان اكتسابا بواسطة القوة النظرية لا تلقيا من الغيب من غير توسط واسطة.

فإن قلت: قوله تعالى في القصة في موضع آخر من كلامه:"و ناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا".

وقوله في موضع آخر:"من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة"يثبت الحجاب في تكليمه (عليه السلام) .

قلت: نعم لكن ثبوت الحجاب أو الرسول في مقام التكليم لا ينافي تحقق التكليم بالوحي فإن الوحي كسائر أفعاله تعالى لا يخلو من واسطة وإنما يدور الأمر مدار التفات المخاطب الذي يتلقى الكلام فإن التفت إلى الواسطة التي تحمل الكلام واحتجب بها عنه تعالى كان الكلام رسالة أرسل إليه بملك مثلا ووحيا من الملك ، وإن التفت إليه تعالى كان وحيا منه وإن كان هناك واسطة لا يلتفت إليها ، ومن الشاهد على ما ذكرنا قوله في الآية التالية خطابا لموسى:"فاستمع لما يوحى"فسماه وحيا ، وقد أثبت في سائر كلامه فيه الحجاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت